up        قراءت من الرواية        تعليقات صحاقية        الحصول على الرواية        المراجع

 

 

فقرات من بعض فصول الرواية

بداية الفصل الاول :

1

   "لا تخف يا بني، الرب سيحميك، تذكر ما تعلمته وما أوصيتك به أثناء الرحلة..." انزلقت يد الرجل عن لوح الخشب الذي تشبث به مع ولده، واختلط الدم الذي يسيل من  فج في رأسه مع ماء البحر. كانت يده الأخرى قد كسرت عندما ضربت الأمواج سفينتهم على مقربة من مرسى جدة، فسقط في اليم وقفز ولده لينقذه فإذا بالسفينة يتناثر خشبها  وحمولتها. تمسكا بلوح خشب وكان حظهما للآن أفضل من بقية طاقم السفينة، ولكن الصبي لم يفلح في إنقاذ أبيه حين انزلقت يده، فتمسك بلوح الخشب وهو ينظر، من خلال  الدموع والماء المالح الذي يتقاذفه، كيف انتشر دم والده في رقعه واسعة ثم زالت كل الآثار بعد لحظات تحت خبط الأمواج. كانت العاصفة قد داهمتهم وهم قبالة جدة، فاتجهوا إلى  مرساها ولكن البحارة فقدوا السيطرة على المركب الذي أصبح يدور حول ذاته وكأن يد مارد ضخم تتلاعب به.

   حين أفاق على الشاطئ كانت يداه تحتضنان لوح الخشب، وعيون كثيرة سوداء تحدق به، بعضها لصغار السن، وأخرى لمن وصلت لحاهم إلى صدورهم. تذكر والده، فنظر إلى  البحر ولم يشاهد سوى أمواج كالجبال الممتدة بطول الساحل، وبعض ألواح الخشب تعلو وتهبط. لم يتمالك نفسه، فارتفع عويله، ولم يفهم من تجمعوا حوله ماذا جرى له. كان يفهم  أسئلتهم، ويمكن أن يفهموه لو توقف عن العويل. امتدت إليه يد قوية لشاب أخذ يطبطب على رأسه ويهدئ من روعه. "هيا بنا إلى الفسطاط لتجفف ملابسك وتنال قسطاً من  الراحة والطعام."

   "أريد البقاء هنا، فربما يلقي البحر بوالدي حياً أو ميتاً." كانت لهجة الصبي غريبة قليلاً، وعرف عمر على الفور أنه من بلاد الشام، فقد سمع هذه اللهجة كثيراً من تجار شاميين  يحضرون إلى مكة. كان عمر غريباً في جدة هو الآخر، فقد حضر بأموال من أبيه لشراء جمال تحملها المراكب من بلاد السودان عبر البحر إلى هنا، أسعارها رخيصة، ولحومها مكتنزة،  وضروعها درارة، وذات جلد على المسير.

   "فسطاط السوق ليس بعيداً من هنا، وسنعرف على الفور بما قد يلفظه البحر." قال عمر للصبي وهو يكاد يجره معه بعيداً عن الماء. "لقد رحمتك اللات والعزى بالحفاظ على  حياتك من هذا البحر. وآلهتي لو منحوني كنوز الكعبة ما ركبت البحر أبداً. كيف تجرؤون على ذلك أنتم ومعشر الروم؟"

   "إنها أسرع طريقة والأكثر أماناً، والأرخص أيضاً لنقل البضائع." قال الصبي وهو يلتفت خلفه تارة وينظر إلى عمر تارة أخرى. كان الصبي في العاشرة وعمر في العشرين. "قال  والدي ان طريق التجارة البري من إيلياء والشام إلى الحبشة غير آمن ومكلف، ولا بد أن نقطع البحر في كل الأحوال."

   "من هو والدك، وبماذا أناديك ؟" تذكر الصبي وهو يستمع إلى سؤال عمر ما كان تعلمه عن العرب في هذه المناطق. منهم اليهود والنصارى وأغلبية ممن يعبدون الأصنام،  يتخذون العبيد، يدفنون البنات حيات، يهاجمون القوافل، يصلون لحجر أسود في كعبة يحجون إليها.

   "نحن نصارى من إيلياء، وأبي هو باقوم، ويلقبني جندب، لأنني كنت كثير القفز والحركة وأنا صغير، لكن اسمي جوناثان. ومركبنا كان يحمل معدات بناء ورخام وخشب وحديد،  ننقلها إلى الحبشة لنعيد بناء الكنيسة التي دمرها جند كسرى الذين مروا ببلادكم قبل أن يحتلوا الحبشة، وينهزموا عنها." هكذا أجاب حسب وصية أبيه، بأن عليه إظهار مقامه منذ  البداية وإلا باعوه مع العبيد إذا ما أوقعته الظروف بين أيديهم.

   "لدينا الكثير من النصارى واليهود في كل مكان، فلا تقلق يا جندب." لقد انجذب عمر إلى هذا الصبي الذي بدا وكأنه يعرف الكثير من أمور الحياة بالرغم من صغر سنه.  تجاذب معه الحديث وهما يأكلان التمر في فسطاط سوق الجمال، وعرف أنه يتحدث لسان الروم بطلاقة مثل تحدثه العربية، وأنه يجيد الكتابة والقراءة ويعرف أسماء ومواقع النجوم،  واخبره جندب أنه زار القسطنطينية مع والده وشاهد القيصر هناك قبل أن تبدأ رحتلهم بمواد البناء عبر الشام براً إلى أيلة على رأس البحر حيث حملتهم السفينة في الطريق إلى  الحبشة. وقال جندب لعمر إن القيصر، فوقا، جديد في الحكم، منذ ثلاث سنوات فقط، وقد تجددت الحرب مع الفرس الذين كانوا قد عقدوا معاهدة سلام مع القيصر السابق  موريقي.

   "ما هو كنز الكعبة الذي ترفض أن يكون ثمناً لركوبك البحر؟" انفرجت أسارير عمر لسؤال جندب إذ أراد أن يلهيه قليلاً عن مصابه بوالده، وأن يكسب وده أيضاً حتى يطلعه  على كل ما يعرف عن عالمه وما شاهده في تجواله مع أبيه.

   "لدينا في مكة، على مسيرة يومين من هنا، بناء قديم نتعبد فيه اسمه الكعبة، وفي جوفها بئر فيه كنز كانت تحرسه حية ضخمة. عندما خربت السيول البناء وارد القوم إصلاحه  كانت الحية تظهر لهم وترهبهم حتى قال لهم المغيرة بن مخزوم أن يجمعوا لإعمارها مالا حلالا ولا يتنازعوا على شرف البناء. حينها اختفت الحية وعمروا الجدران. والآن نريد إعمار السقف." كان جندب يستمع باهتمام فقرر عمر إكمال روايته عن الكنز. "قبل فترة تسلق أحد اللصوص الجدران ونزل من السقف وسرق الكنز. ولكن القوم أمسكوا  بالمسروقات عند دويك، وهو أحد موالي بني مليح بن خزاعة الأشرار، فقطعت قريش يده وقبلت بعذر أن السارق وضع الكنز عنده حتى لا تعاقب قريش كل عشيرته. لقد تركت  قريش وهم يستعدون لسقف الكعبة حتى لا يدخلها إلا من يريدون."

..............................

من الفصل الرابع :

4

   "لقد رأيتك في عكاظ تنصت لقس بن ساعدة وهو يخطب من على جمله الأحمر، فهل حفظت كلامه؟" 

   "أيها الناس، اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليلٌ داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، ونجوم  تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، إن في السماء لخبراً، وإن في الأرض لعبراً، ما بال الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تُركوا فناموا،  يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه، إن لله ديناً هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً". كان جندب يكرر بعض ما جاء في خطبة قس، ويقلد  حركاته من فوق الجمل، بينما عثمان غارق في الضحك وهو يوازيه على جمله ويتجاذب معه أطراف الحديث. "لكن أجمل شيء في عكاظ هو موقعها في وادي النخيل ووفرة المياه،  وكثرة الزوار وتنوعهم، ولم أفهم سبب وجود مقنعين كانوا بين الذين تعبدوا للحجارة."

   "هؤلاء على الأرجح بعض شيوخ القبائل أو أناس يعتبرون أنفسهم ذات شأن، فيتنكرون عن العامة خوفا من بطش عدو بهم، أو الذهاب رهينة بعدما يغادرون السوق، ولهذا  يتنكرون هم وبعض رجالهم حتى لا تقع العين على قلة متنكرة. زوار موسم عكاظ يا جندب يأتون من كل مكان للاستماع إلى الأشعار والمجادلات وإلقاء دلوهم وتمجيد قبائلهم، فيعكظ بعضهم بعضاً بالحجج. وبها تعقد المعاهدات ويعلن أسماء من تخلعهم قبائلهم فتسقط حقوقهم." قال عثمان، وأبلغ جندب أنه ولد في الطائف القريبة من عكاظ وإن والده  عفان يملك مزرعة كبيرة هناك تمد مكة بالثمر والحبوب.

   "إنها خليط عجيب من الفلاسفة والمتنبين والشعراء والمصارعين والبياعين، كل له قبته أو حلبته، وبين هؤلاء تتجول الإناث متعطرات متبرجات يستعرضن أنفسهن." توقف  جندب عن الكلام ثم ابتلع ريقه وقال لعثمان : "سمعت أنكم بني أمية سوف تقتتلون مع أبناء عمومتكم بني هاشم..."

   "هذا تنجيم قديم تفتقت عنه أذهان الكهان" قال عثمان مقاطعاً، وأضاف موضحاً "عندما ولد هاشم والد عبد المطلب، وعبد شمس والد أميه، كانا ملتصقين ببعضهما. وعند  فصل قدم هاشم عن رأس توأمه، جد جدي عبد شمس، سال بعض الدم، فقيل إن الخلاف سيدب بين أحفادهما وتسيل الدماء بينهم. وها نحن الآن بخلافات لا تتميز كثيرأ عما  يختلف فيه أولاد العمومة."

   "لكن النبوءة لم تحدد الزمان والمكان..." أفلتت الكلمات من جندب ثم استدرك : "بمشيئة الرب لن يحصل بينكم إلا الخير".

   "لقد أصبح الجندب ملماً بخفايا قريش وقصصها في أقل من عام." وصلهما صوت عمر بن الخطاب عالياً من خلفهما، وكان قد استمع لما دار في آخر الحديث بينهما. "من المؤكد أنه يحن لأصوله العربية وسيعود إلينا على الدوام." كان عمر ضمن المشتركين في هذه الرحلة إلى الشام، ومنهم أيضاً خاله عمرو بن هشام، وعمرو بن العاص، وأبو سفيان  بن حرب، كل منهم يحمل تجارة، ومعهم ما يقارب الخمسمائة بعير تحمل البضائع الهندية واليمانية إلى الشام.

..........................................................

من الفصل العاشر :

10

   "يا للهول، يا رحمة الله لا تفارقينا، إنا لله وإنا إليه راجعون." لقد شحب وجه والي الكوفة، وبدت فاجعته بالخبر الذي وصلنا للتو في ديوانه، أعظم منا جميعاً. ثم سأل الرسول ليتأكد من الفاعل :"هل قلت إن أبي لؤلؤة هو الذي قتل الخليفة؟"

   "أي والله طعنه وطعن ثلاثة عشر رجلاً في المسجد ومات منهم سبعة، وكنت ضمن من أرُسلوا لإبلاغ الأمصار." قال الرجل ولم يكن قد نفض غبار السفر عن ملابسه، وبدت عليه مظاهر الجوع والعطش، وكأنه لم يسترح طوال الرحلة الطويلة من المدينة إلى الكوفة.

   "هل غادرت مدينة الرسول قبل أو بعد اختيار الخليفة الجديد؟" أعاد المغيرة السؤال قبل أن يأمر بشراب وطعام للرجل.

   "بل بعد، لقد أوصى الخليفة عمر وهو يحتضر باختيار واحد من بين ستة شيوخ خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام، وقد اختاروا عثمان بن عفان من بينهم وبايعه الناس في المسجد."

   "استرح قليلاً فعلينا الركوب إلى المدينة فوراً لنبايع ونرى ما الأمر." قال المغيرة وأوعز لبعض رجاله أن يتكفلوا بالرسول وأن يعدوا العدة للركوب. "ستذهب معي يا جندب،  أليس كذلك؟"

   "إن شاء الله سأعود معك إلى المدينة." لم يخبر جندب مضيفه بأن الخليفة عمر قد كلفه بمهمة جديدة وهي جمع معلومات عن القسطنطينية، وكيف يمكن للمسلمين فتحها، أخبره  فقط أنه في طريقة إلى الشام، وقد عرج على الكوفة ليتعرف على مدينة المغيرة سيئة الصيت إلى درجة أن الناس صاروا يضربون به وبها أمثالاً، فكان الرجل يقول للآخر: غضب الله  عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة، عزله عن البصرة وولاه الكوفة. الآن عليه العودة الى المدينة مع المغيرة بعد اغتيال صديقه وأميره، عمر بن الخطاب، وعليه تحسس رغبة الخليفة الجديد الذي يعرفه هو الاخر جيداً. لقد التقى جندب بالمغيرة مراراً، واشتركا سوياً في عدة معارك، وكان آخر لقاء بينهما حين تمت المواجهة بين المغيرة وجماعة البصرة الذين اتهموه  بالزنا، وبالرغم من سقوط التهمة عنه، وجلد شهود الزور، إلا أن الخليفة عمر عزلة عن البصرة وولاه لاحقاً الكوفة. كانت أول ولاية للمغيرة قبل ذلك في البحرين، وهناك ابتلى  عليه نفر من أهلها زوراً فعزله الخليفة بالرغم من ثبوت براءته آنذاك أيضاً. كانت سياسة الخليفة عمر تقوم على تطبيق العدل، ولكن مع استرضاء الناس أيضاً، ولهذا لم تشفع  للمغيرة براءته من التهمتين، وعزل عن الإقليمين.

.................................................

من الفصل الثالث عشر

   "عائلة هرقل لم يحالفها الحظ منذ البداية، فقد كثرت خلافاتهم الداخلية، العائلية والدينية، وأحاطت ببلادهم قوى الأعداء باستمرار، ولا يبدو أن طالعهم سيتغير في القريب من السوء إلى السعد." هكذا بدأ جندب روايته للحضور وهو جالس قبالة الخليفة، ولم يكن قد أخبره بعد بطبيعة عمله في عهد عمر. "قبل أن يموت هرقل، منذ أربع سنوات، كان قد نصب اثنين من أولاده قياصرة إلى جانبه. في البداية وقبل سنوات، توج ابن زوجته مارتينا، هيركلونس، ثم توج ابن زوجته الأولى، قسطنطين الثالث، وذلك قبل شهر من موته عن ست وستين سنة."

   "صحيح أن مارتينا كانت أخته؟" سأل كعب الأحبار بينما علت الدهشة وجوه بعض الحضور. وعندما لم يجب جندب على الفور وأغمض عينيه وتنهد، قال الخليفة للحضور إن يصبروا على الراوي ولا يقاطعوه، وظهر الذهب الذي يشد أسنان عثمان الأمامية.

   "لا لم تكن مارتينا أخت هرقل، ولكنها ابنة أخته، وزواجه منها تسبب له في صراع دائم مع الكنيسة." أزاح جندب هذا السؤال بسرعة ومن دون تفاصيل أو إشارة أن زوجته الأولى كانت على ذمته عندما تزوج الثانية، وهو ما تحرمه الكنيسة، ثم واصل الحديث على الفور: "بعد ثلاثة أشهر من حكم الأخوين سوياً مات قسطنطين الثالث ابن فابيا، الزوجة الأولى لهرقل، فثارت الوساوس وانتشرت الإشاعات أن مارتينا سممت ابن ضرتها حتى يتفرد ابنها بالحكم. أبناء هرقل من الزوجة الأولى، فابيا، اثنان، والزوجة هي ابنة القائد الحربي رغاتوس. ولهرقل من مارتينا، ابنة أخته، تسعة معظمهم مرضى ومعاقين بالشلل والطرش والخرس، وتقول الكنيسة إن هذا عقاب إلهي لأنه تزوج ابنة أخته ورفض طلاقها بالرغم من الضغوط عليه، بل كان يحملها معه في معظم الغزوات خوفاً عليها من المؤامرات لو تركها في القسطنطينية. وكان لهرقل أبناء لقطاء أيضاً، منهم واحد اسمه جون، وقد تآمر هذا الابن اللقيط مع ابن عمه القائد ثيودور ورجل رفيع المستوى اسمه ديفيد شاروني. وعندما اكتشف هرقل المؤامرة أمر بقطع أنف جون ويديه ونفاه إلى جزيرة نائية، وأمر لشريكيه ثيودور وديفيد بنفس العقاب إلى جزيرة أخرى على أن يقطع ساق كل منهما عند الوصول إلى المنفى." كان جندب قد استعاد من ذاكرته هذه الأجزاء من تاريخ عائلة هرقل بالأمس وهو مستلق قلق يفكر كيف سيخبر الخليفة عن تاريخ هذه العائلة، لأن عمر كان يطالب بأدق التفاصيل وشرح للأجواء التي عايشها جندب هناك أو عرف عنها، وكان ذلك جزءا من عمله مع عمر حتى قبل أن يصبح أميراً للمؤمنين، لكنه الآن يسرد للخليفة الجديد خليط من الحقائق على شكل رواية موجزة يحاول أن يجعلها مشوقة.

.....................................................

من الفصل السابع عشر

   لم يكن جندب يشعر بالارتياح للمهمة التي كلفه بها معاوية بن أبي سفيان. بالأمس القريب كاد قسطنطين الثاني أن يموت غرقاً من جراء الهزيمة التي مناه بها الأسطول الإسلامي، وطوال الأشهر الماضية والمسلمون يستعدون لغزو القسطنطينية، والآن سيكون على جندب عقد هدنة ثانية بين البيزنطيين والمسلمين. استقر رأيه، أثناء الرحلة من الشام للعاصمة البيزنطية، أن يخفف من إظهار إلحاح الأمر، وان ينسب لنفسه بعض الفضل ويدعي أنه عمل على إقناع معاوية للجنوح إلى الهدنة تحسباً للحرب مع خصمه ابن أبي طالب، هكذا ستكون لديه راحة نفسية أكبر وهو يطالب بالهدنة ويقنع الإمبراطور البيزنطي بها، وفي الوقت ذاته يظهر كعميل مخلص لبيزنطة وللإمبراطور قسطنطين الثاني. جاءت مبادرة طلب الهدنة الأولى، آنذاك، من جانب الإمبراطور، الذي اضطر لدفع جزية سنوية ووافق على أن يحتجز معاوية بعض الرهائن البيزنطيين في دمشق. استمرت تلك الهدنة عامين حتى خرقها معاوية حين هاجمت القوات الإسلامية جزيرة رودس. أما الآن فإن معاوية هو الذي يطلب الهدنة، ومهمة جندب إتمامها بأقل التكاليف الممكنة، ولهذا يريد جندب إخبار الإمبراطور أنه شخصياً أقنع معاوية لعقد هدنة جديدة، وأن الخلافات الإسلامية الداخلية للآن محصورة جغرافياً في الجزيرة العربية بعيداً عن الشام، وأن جند معاوية قابعون في مواقعهم المجاورة لبيزنطة. وهذا لا يتنافى مع الحقيقة في اللحظة التي وصل فيها جندب إلى القسطنطينية. آخر الأخبار التي وصلت الشام قبل مغادرته لها كانت حول معارضة في مصر وصلت إلى درجة اشتباكات مسلحة وكر وفر بين العثمانيين والعلويين، واستعدادات في البصرة من طرف ابن أبي طالب لمواجهة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة الذين خرجوا بجند رافعين شعار القصاص للخليفة المقتول، ولم يرسل معاوية أيا من قواته إلى البصرة. ولكن جندب متأكد أن هذا الحال لن يطول، فقد كان يعرف أن علي جمع الجند وكاد أن يتحرك بهم إلى الشام لمقاتلة معاوية، ولكن وصلته أخبار عسكرة أم المؤمنين وطلحة والزبير واقترابهم من البصرة، فعدل عن غزو الشام وتحرك بقواته إلى البصرة.

   لم يكن القصر وبروتوكولات اللقاء مع الإمبراطور غريبة أو جديدة على جندب، فجلس ينتظر اللقاء مع الإمبراطور وهو شارد الذهن عما حوله من زخرفة للقاعة وحركة للحاشية والإداريين، بل لم يعد يشعر بالبرد الذي يخترق النوافذ والجدران. صب اهتمامه محاولاً تخمين الأسئلة التي سيوجهها له قسطنطين الثاني وتنميقه للإجابات الملائمة.

   "هل أنت محمدي أو مسيحي؟" كانت تعابير وجه الإمبراطور حيادية وهو يسأل جندب، لكن بعض المحيطين بالإمبراطور اكتست أصداغهم الحمراء ببسمة شماتة.

   "لم يتغير ديني منذ لقائنا الأخير يا مولاي." لم يكن جندب يتوقع هذا السؤال، واضطرب لوهلة وتخوف على مصير مهمته. "أنا مسيحي المولد، ولم أغير اعتقادي، ولا أرى في أصول تعاليم الإسلام كثيراً من الاختلاف عن الأصول المسيحية."

   "كيف هذا، المحمديون كفار وبرابرة..." لم يكمل المتحدث أقواله إذ رفع الإمبراطور يده مشيراً بالسكوت، وفهم جندب من ذلك عدم وجود تفاهم مسبق بين القوم لردعه أو تقريعه. وكان جندب قد أخبر أحد مستشاري الإمبراطور بالأمس بما يحمل من أخبار عن العرب والمسلمين وبإمكانية عقد هدنة جديدة.

   " جوناثان ابن باقوم، نعرف ولاءك وخدماتك للإمبراطورية، أخبرني لماذا يقتل المحمديون بعضهم؟" أعطى الإمبراطور مع هذا السؤال لجندب إشارة بالجلوس.

   "إنها الزعامة يا مولاي، إنهم يتنافسون عليها منذ موت النبي محمد، كما أن أحوالهم الاقتصادية تحسنت كثيراً فأصبحت الزعامة مصدر نعمة بعد أن كانت مسؤولية لا يتصدى لها إلا الأغنياء الذين بوسعهم الإنفاق على الآخرين لكسب الاحترام." نظر جندب إلى الإمبراطور وشاهد فوراً علامات الإعجاب والتعجب ترتسم على محياه. "قبل الإسلام، كان يتوجب على الزعماء إطعام زوار الكعبة وكسيهم أثناء المواسم، والطواف بالبناء الذي أقامه النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، أما الآن فتصل الأموال إلى الخليفة من كل الأمصار، أموال الجزية والغنائم وتخزن في بيت المال الذي يشرف عليه الخليفة، ولا يعرفون كيف ينفقونها."

   "ومن يطمع أكثر بالمنصب لنيل الاحترام والفوز بالأموال، علي، أو صديقك معاوية؟"

   "كلاهما يدعي القناعة، فابن أبي طالب يروج أنه لم يكن يرغب بالخلافة وإنما اضطر إليها لإنقاذ الأمة، ومعاوية يؤكد أنه لا يطالب سوى بالثأر والقصاص من قتلة الخليفة عثمان حسب الشريعة الإسلامية، ويقول أنه عندما يعاقب علي القتلة سوف يبايعه ولن يطالب بالخلافة." عقد الإمبراطور حاجبيه مستغربا ما يسمع ومستفسراً بإشارة من يده بعد أن شد معطفه على جسده، فواصل جندب الحديث: "عملية قتل الخليفة عثمان كانت تتويجا لمؤامرة امتدت زمناً وشملت أناسا في عدة أمصار، وتمت بشكل مفاجئ شل قدرات أهل المدينة عن التصدي، ويقال أن بعضهم كان مشاركاً في التحريض وراض عما يجري طمعاً في التولي.

...........................................................

من الفصل الخامس والعشرون :

لم يطل يأس الإمام من شيعته فعاد يدعوهم إلى الخروج، وذلك حسب ما قال له قادتهم إنهم بحاجة لبعض الراحة، وقد استراحوا. أخذ يحثهم على الجهاد وهم يسمعون ولا يفعلون شيئاً. أمهلهم أياما أخر وعاد يخطب فيهم: "يا عباد الله ما بالكم إذا أمرتم أن تنفروا في سبيل الله تثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلاً، وبالذل والهوان من العز والكرامة خلقاً؟ أفكلما دعوتكم إلى الجهاد دارت أعينكم في رؤوسكم كأنكم من الموت في سكرة وكأن قلوبكم قاسية، فأنتم أسود الشرى عند الدعة وحين تُنادون للبأس ثعالب رواغة، تُنتقص أطرافكم فلا تخاشون، ولا ينام عدوكم عنكم وأنتم في غفلة ساهون. إن لكم علي حقاَ، فالنصيحة لكم ما نصحتم، وتوفير فيئكم عليكم، وأن أعلمكم كيلا تجهلوا، وأؤد بكم كيما تعلمون. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصح في المغيب والمشهد، والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم".

   سمعوه بالأذن ولم يصل كلامه إلى القلوب، فانصرفوا ولم يصنعوا شيئاً، لا نفروا لحرب، ولا اظهروا ميل سوى للدعة في مصرهم وبيوتهم. كانوا قبل النهروان في طريقهم مترددين إلى غزو الشام، فانعطفوا لقتل القراء في النهروان فاذا بهم يفقدون أي رغبة في القتال بعد ذلك. ربما تذكروا وتذاكروا أن الإمام لم يدفعهم إلا إلى حروب يقتلون فيها مسلمين وأقارب وجيران وأبناء وأصدقاء وأنساب، حروب تقطع الرحم، وليست حروبا للفتح كما تعودوا من قبله، حيث كانت الحروب توسع بلاد المسلمين وتعود على المجاهدين بالغنائم الجمة. توقف الفتح واضطربت دولة الإسلام، وعما قريب إذا استمر هذا الحال سيطمع الفرس والروم في استعادة بلادهم وغزو مكة والمدينة. ثم إن خيرة أصحاب الرسول Mohamed peace be upon him.svg قد اعتزلوا هذه الفتنة ولم يشاركوا في الجمل أو صفين أو النهروان، ولا يريدون غزو الشام، فهل يعقل أن هؤلاء على خطأ وأهل الحرب على صواب؟ هكذا لم يتجاوبوا مع خُطب الإمام الرنانة. أما علي فلم يعد يدري لهم طاعة أو يعرف لهم عصياناً، وصار منهم في شك ويأس عظيم.

.......................................................

من الفصل قبل الاخير (27)

   "مبروك عليك الخلافة، الآن بدأ عهدك، وأعانك الله على مهامك."

   "بارك الله فيك يا جندب، ولولا همتك وفطنتك لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن." أجاب معاوية رفيق سفره من الكوفة إلى الشام. "لقد أكرمنا الله بالتزام الروم بالهدنة، وقبولهم  تمديدها. لو خانوا الاتفاق ونزلوا إلينا لطمع فينا علي وأهل العراق وأصبحنا بين فكي الضبع." كان الركب في يومه الثالث بين الكوفة والشام، يسيرون في أجواء ربيعية، ولا تعدم  أنظارهم بعض الخضار في الصحراء. أعاد جندب روايته لبعض وقائع تلك المعاهدة وكيف أقنع صاحب القسطنطينية بفوائد الهدنة للروم، ولكن معاوية غير مجرى الحديث حين  سأله عن الخطوات الفورية الواجب اتخاذها عند الوصل للشام بعد أربعة أيام.

   "ضمان أمنك الشخصي، وأمن الأبناء، وأمن الرعية." صمت جندب ونظر إلى الخليفة الجديد فرأى الانتباه على وجهه، وتذكر طول الفترة التي تألم فيها من الجلوس على مؤخرته إثر إصابته بالسيف المسموم. "أفضل أن تقلد الإمبراطور وتعين حاجباً، ففي محاولاتهم القادمة لن يكرروا الانتظار خلف المسجد."

   "نعم وحارس يقف بجانبي أثناء الصلاة في المسجد، حتى لا يفعلوا معي كما فعلوا بصديقك، الشيخ عمر، رحمه الله."

   "نعم حراس لك وحراس للدولة ينتشرون في مرافقها." قال جندب بعد الترحم على الخليفة عمر بن الخطاب، صديق طفولته وراعي شبابه. "ستحتاج الدولة إلى نظام شرطة  مفعل أفضل مما هو الحال الآن. وستحتاج أيضاً إلى توسيع أجهزة التجسس الداخلي وعلى الولاة والرعية في الأمصار وعلى بلاد الروم أيضاً. الأفضل أن توسع اطلاعك على كل  شئ والاستعانة بخيرة الرجال والأعوان على كل الصعد."

   "كم يصعب العثور على الرجال يا جندب. إنما أسوق غالبيتهم الآن بالوعود والعطايا والمال، وبالشدة حيناً والليونة أحياناً. لو كان بيني وبينهم شعرة لحرصت ألا تنقطع."  صمت الخليفة هنة ثم أكمل: "لقد هزموا علي بن أبي طالب لأنه لم يتعرف على معادنهم، وأرادهم كما أحب، أن يكونوا مثله، أو نسخة عنه في التصميم والإيمان، فخذلوه مراراً  وتكراراً ولم يتعظ أو يتعلم، ولم ييأس منهم أيضاً" لم يعلق جندب على كلام الخليفة إذ شعر بالتأثر في نبرته والرغبة في إكماله للحديث. "أترى يا جندب! منذ اغتال أبو لؤلؤة  صديقك تغير حال المسلمين. أبدى عثمان لهم اللين فطمعوا فيه حتى قتلوه شر قتله بين أصحاب الرسول Mohamed peace be upon him.svg ووسط مدينته، بعضهم تآمر وبقيتهم تخاذل. وحين أفاقوا وطالبوا  بالقصاص قضى عليهم علي بدل أن يقضي على القتلة في جيشه، ونازعني الشام، ولم يستعد أبداً لأخذ القصاص. جهله بالرجال أودى به إلى تخليهم عنه حتى حان موعد اغتياله،  اغتيال ثالث خليفة بشكل متتالي، فانتقلت إلي، وسأضمن ألا أموت اغتيالاً إن شاء الله. يجب أن أكسر لعنة الاغتيال المتتالي للخلفاء."

   "هل تحقق القصاص من قتلة عثمان الآن؟" استغرب جندب خروج هذا السؤال من فمه الآن، ولكن معاوية نظر إليه وتفكر.

   "سؤال وجيه. هل تحقق القصاص؟ هل كانت الفتنة ستبقى نائمة لو لم نطالب بالقصاص؟ هل كان سيتركنا لحالنا لو بايعناه وتنازلنا عن القصاص؟ كان سيعيد الناس إلى سيرة  عمر من الشدة ولكنه لا يملك حنكة عمر. هل يعقل إدارة دولة بهذا الحجم بغسل بيت المال كل فترة وتوزيعه على الكسالى الجالسين يثرثرون؟ كيف سنقيم الدولة والجيش والأسطول والمرافق. لقد أتعسنا وأتعس ذاته طوال خمس سنوات. بل كانت حياته كلها تعاسة ومحن. أراد الخلافة بعد الرسول Mohamed peace be upon him.svg ولم يُصفي خاطره لأي من الخلفاء الثلاثة، نعم أطاعهم وناصحهم ولكنه لم ينسَ ما ظنه حقه. وعندما وصلت إليه لم يجن منها إلا شراً يتضاعف كل يوم. هرب من المدينة، بعد مقتل عثمان، إلى الكوفة فصار كالمحتمي من  الرمضاء بالنار." تذكر معاوية سؤال القصاص فأضاف: "زعماء مؤامرة اغتيال عثمان والذين شاركوا فيها قتلوا في حروب السنوات الخمسة، وقتل الكثير ممن أيدوهم وتقبلوا  عملهم. حكيم بن جبلة قتل في البصرة قبيل الجمل حيث قتل بعض رفاقه. وفي النهروان قُتل البصري حرقوص ابن زهير، وأحرق محمد بن ابي بكر في مصر وقتل في ذات اليوم  شريكه كنانة بن بشر، وقتلنا محمد بن أبي حذيفة في الشام، وسممنا الأشتر في طريقه إلى مصر، وقتل محرضهم عمار بن ياسر في صفين. ولسوف أطلق الجواسيس وأقبض على  أرواح من بقى منهم أو من مؤيديهم." توقف معاوية عن الحديث وتذكر ذلك اليوم الذي أرادوا فيه قتل ثلاثتهم، فلم يقدر الله سوى مقتل علي بن أبي طالب، فطلب من جندب  أن يخبره بالتفاصيل عما حدث في الكوفة.

............................................................

 up