اللاجئون: ضرورة الخروج من الأطر البليدة

فيسبوك
تويتر
واتساب

كان اللاجئون الفلسطينيون طوال نصف قرن من بداية محنتهم، متقوقعين في وسط الجبهة العربية المدافعة معهم وعنهم والمدعمة بقرارات الشرعية الدولية حول قضيتهم. لكن في الاعوام الاخيرة بدأت الجبهة تتفسخ بينما بقي اللاجئون في حالة هلامية من الانتظار والامل واليأس والقنوط. كان الخذلان قد وصل مداه في العام الماضي عندما انتهت الفترة المرحلية من الحل الاوسلوي بدون تقدم قيد انملة واحدة في قضية النازحين من عام سبعة وستين والمفترض ان تعيدهم المرحلة الانتقالية الى الضفة والقطاع… وكان الظن ان هذه القضية اقل تعقيدًاً من قضية اللاجئين منذ عام النكبة كونهم سيعودون الى اراض يفترض ان الحل سيعيدها وستقام عليها الدولة الفلسطينية. كانت هناك لجنة فلسطينية ـ مصرية ـ اردنية ـ اسرائيلية، واجبها تسوية قضية النازحين، ولكن اللجنة لم تتوصل الى تعريف النازح، ناهيك من تحديد الارقام، او عودة أي فئة… وما ادى الى الشعور بالخذلان هنا هو مرور التعنت الاسرائيلي واستمرار العلاقات الاردنية والمصرية والفلسطينية على حالها مع اسرائيل، ثم الرضوخ الفلسطيني لرغبة الجنرال باراك بالقفز على الحل المرحلي غير الُمُنجز الى الحل النهائي غير الممكن، وذلك من دون حل قضية النازحين، او تطبيق الاتفاقيات المرحلية المتتالية. وزاد الخذلان إثر تسرب ما دار في كامب ديفيد الفلسطيني بأن حل قضية اللاجئين مهما كان نوعه فلن يكون بعودتهم حسب قرارات الامم المتحدة، بل ان عودة النازحين (واللاجئين من الدول العربية) الى الضفة والقطاع، هي مسألة غير مضمونة بتاتاً بحجة ان الوضع الفلسطيني الاقتصادي لن يستوعبهم، وانهم بالتالي سوف يتحولون الى عنصر اقلاق للامن الاسرائيلي. (لاحظ هنا ان اسرائيل ضمن هذا المنطق ستعمل على ترد دائم للوضع الفلسطيني لان تحسنه سيساهم في زيادة السكان وبالتالي الخطر. ولاحظ ايضاً انهم لا ينوون دفع تعويضات تحسن الوضع الفلسطيني، وبالطبع لا تمر ملاحظة ان الضفة والقطاع الاعجز عن دعم السكان العرب، يزج فيهما المزيد من المستوطنين… هذا من دون الاشارة الى استمرار الهجرة اليهودية الى كل فلسطين بلا قيود).  

   حتى الان كان اللاجئون لا يركزون على قضيتهم الذاتية وينصهرون في بوتقة العمل الوطني الجماعي لان الاهداف كانت مشتركة، لكن الوضع تغير الان وتشتت الاهداف ومن حق اللاجئ التساؤل: لماذا ذبت في الكل وخدمت مع الجمع، وما هو نصيبي الوطني او الشخصي الان؟ وهل يختلف نصيبي عن نصيب غيري الذي جنوه، او سيجنوه من جراء النضال المشترك؟ كل من يضع نفسه امام هذه التساؤلات سيلطم على الخدود وهو يستنطق الاجابات. الوطن الفلسطيني المنشود، وحسب التجربة الاخيرة، سيعج بالفوارق بين الناس، ولن يكون اشتراكياً تؤمم فيه الارض وتوزع مجدداً،ولن تتساوى الفرص في الوظائف، ولن يؤخذ بالرجل المناسب او السيدة المناسبة في المكان المناسب، اللهم الا اذا انقلبت الامور والتجربة الحالية رأساً على عقب، وهذا لن يحدث ولو لاسباب خارجية. كانت واشنطن حتى سبع سنوات خلت لا تتجرأ على طرح حلول لقضية اللاجئين خارج اطار الشرعية الدولية، وجاءت اتفاقية اوسلو عام ثلاثة وتسعين من القرن الماضي بمثابة هدية للصهيونية الاميركية، ذلك لان الاتفاقية حولت المرجعية من الامم المتحدة الى نتيجة التفاوض بين الطرفين، واذا غابت مثل تلك النتيجة تبقى المرجعية معلقة حتى الاعلان عن نهاية وفشل اوسلو. هذا التحول اعطى الادارة الاميركية حرية العمل بعيداً عن الشرعية واصبح كل اتفاق يبعد الفلسطيني عن حقوقه ويعمق صلابة الموقف الاسرائيلي الى درجة انطلاق الرئيس كلينتون في الكامب من فرضية ان الضفة والقطاع والقدس مناطق متنازع عليها، بعضها مع السلطة الفلسطينية واغلبها مع اسرائيل، ويمكن التفاهم على اقتسام ما لها… وها نحن الان فعلاً في عالم سياسي يطالب فيه الجنرال باراك العالم بالضغط على الرئيس الفلسطيني المتشدد حتى لا تنتهي الامور بكوارث، حسب باراك… اخذ ثلاثة ارباع فلسطين ويريد سيطرة على القدس الشرقية واجزاء من الضفة والقطاع التي لا تتسع لسكانها، كما يقول، ويرفض عودة اللاجئين او تحمل المسؤولية الاخلاقية عن النكبة، ويرفض تطبيق أي قرار دولي، ثم يتهم عرفات بالتشدد ويستنجد بالعالم من اجل السلام!! هذه الظروف للاسف وحسب التجربة، لن تتحسن بل هي تتراجع بسرعة الى الكارثة مما يتطلب من الفلسطيني ومن اللاجئين تحديداً افعالاً وافكاراً خلاقة لنصرة ذاتهم والحفاظ على حقوقهم المادية والمعنوية والوطنية. السياسة الاميركية والاسرائيلية لا تسعى الى حل منصف للفلسطينيين يفتح امامهم المستقبل المشرق، بل يريدون العكس تماماً كونه الضمانة الوحيدة في نظرهم لمستقبل اسرائيلي متوسع وزاهر… دولة فلسطينية في جزر متفرقة سيصبح لاحقاً لكل منها زعيم مستقل ومستقبله مرتبط برضاء اسرائيل… ولاجئون متوطنون تحت الادارة العربية في بلدان متعددة لخلق الصراع بين تلك الفئات، فالفلسطيني سيظن ان النظام يقبض الهبات على حسابه، والنظام سيتصرف وكأن الفلسطيني ناكر للجميل… ثم تفريق وتشتيت قدر الامكان للبقية من الفلسطينيين في بقاع الارض لتذهب ريحهم وتنتهي قضيتهم التي حافظوا عليها رغم كل العواصف سابقاً عبرافعالهم ووحدتهم.  

   انقاذ الوضع لم يعد يتطلب البحث عن وحدة المواقف وانما ممارسة الفعل في الاطار السياسي المتوفر محلياً وعالمياً… اقل الايمان هو الجهر برفض أي حل لا يضمن عودة كل الضفة والقطاع من دون مستوطنات، وعودة القدس كاملة، وعودة اللاجئين حسب قرارات الامم المتحدة. والى جانب اعلان الرفض لذلك الحل، هناك الكثير من الفرص والامكانيات امام العامة والخاصة والنخبة من الفلسطينيين واللاجئين والعرب طبعاً. مثًلاً من مصلحة اللاجئين في المخيمات العربية، ومن مصلحة انظمة هذه البلدان، ان تتحرك افواج اللاجئين عائدة الى بلادها بعد فشل الحلول المرحلية والنهائية في التوصل الى نتيجة… ان اسرائيل لن تستطيع قتل حتى العشرات في هذه الاجواء حيث يريد الجميع السلام، ومسيرة العودة سلمية وتحت اعلام الامم المتحدة، وشعارات قبول الحياة تحت السيادة الاسرائيلية في فلسطين واللد والرملة ويافا… هذه ليست عملية انتحارية تواجه بالرصاص والتشهير، ولكنها مسيرة شيوخ واطفال وناس عائدة الى بيوتها بعد فشل المفاوضات. يجب الخروج من حالة الانتظار… انتظار النصر العسكري العربي، وانتظار النصر الفدائي، وانتظار الطحين من الامم المتحدة، وانتظار الحل السلمي…

هذا الانتظار اعاد اللاجئ الى نقطة التشريد الجديد والمضاعف هذه المرة. من الممكن للنخبة الفلسطينية في الوطن والجوار العربي، وتحديداً في الغرب، القيام بإجراءات قانونية تحافظ على حقوق اللاجئين. لماذا لا يتبنى محام بريطاني واخر فرنسي وثالث اميركي وكلهم من اصول فلسطينية مع امثالهم من المحامين في الدول الاخرى، قضايا رعايا اجانب من اصل فلسطيني لاستعادة اراضيهم في فلسطين، وتحميل دولهم مسؤولية حماية تلك الاملاك عبر احكام قضائية. يمكن لمحامين في كل مكان، وتحديدًاً في غزة والقدس ورام اﷲ استصدار احكام تمنع السلطة والمفاوض الفلسطيني من التنازل عن حق افراد في فلسطين… ناهيك من قدرة المجلس التشريعي على التصويت في مثل ذلك، كما فعل الكنيست مراراً… ولكن ذلك سيعني العودة الى خانة الانتظار من الرسميين اياهم. عمان الاردن مليئة هي الاخرى بالمحامين الفلسطينيين الاردنيين الذين لهم املاك في فلسطين ويحق لهم حسب بنود المعاهدة الاسرائيلية ـ الاردنية، ان يستعيدوها..فماذا تنتظرون؟ 31-8- 2000           

4 أفكار عن “اللاجئون: ضرورة الخروج من الأطر البليدة”

  1. Avatar photo

    May I simply say what a comfort to discover somebody who genuinely knows what they are talking about over the internet. You actually understand how to bring a problem to light and make it important. More people ought to check this out and understand this side of the story. I cant believe you arent more popular because you surely possess the gift.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
Scroll to Top