!فلسطين، إسرائيل، حماس والسلطة

فيسبوك
تويتر
واتساب

   كان السيد جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، هو آخر من قال في أواسط يناير 2024: إن إسرائيل مولت إنشاء حركة حماس في محاولة لإضعاف السلطة الفلسطينية. جاء هذا التصريح في خضم الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، بحجة عزمها القضاء على حركة حماس ذاتها التي مولتها في نشأتها وطوال سنوات نموها وسمحت بدخول حقائب المال لها حتى عشية السابع من أكتوبر 2023؛ فانقلبتا على بعضهما وداستا الناس تحت الدبابات والدمار… فما هي القصة، وكيف بدأت ولماذا وصلت إلى هذه النهاية؟

   الرواية قديمة متكررة معروفة، قوامها السياسة البريطانية: فرق تسد، والتي تقلدها السياسة الأميركية، ثم لجأت إليها إسرائيل هي الأخرى؛ فشجعت الجمعيات الدينية في قطاع غزة منذ حرب 1967 لتتبلور لاحقا إلى حركة حماس، حتى تجابه التيار الوطني العلماني المتمثل في فصائل منظمة التحرير مثل فتح والجبهات الشعبية والديمقراطية وهو التيار الذي كان يطالب بدولة ديمقراطية علمانية في كل فلسطين، ثم تحول بسبب الرفض الإسرائيلي إلى المطالبة بفكرة قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وبالتالي إفشال مخططات إسرائيل التوسعية… هكذا لجأت إسرائيل لتنمية التيار الإسلامي ليجابه التيار الوطني وهي جالسة تدعم هذا الطرف ضد الآخر.

   بعد اتفاقية أوسلو وتصدي حركة حماس للحل السلمي عبر العمليات الانتحارية، عادت إسرائيل لدعم حركة فتح والسلطة ضد حركة حماس. مرت السنوات وقررت إسرائيل عدم الالتزام باتفاقية أوسلو والتخلص من السلطة؛ فعادت إلى تشجيع حماس وتمرير الأموال لها بعلم نتنياهو حتى قبيل غزوة السابع من أكتوبر 2023، وذلك باعتراف أكثر من مسؤول إسرائيلي، ومسؤولين أمميين، وباعتراف المخابرات الأميركية. وفقا لتصريحات سفير الولايات المتحدة الأسبق لدي السعودية شارلز فريمان؛ فان جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي الشين بيت كان وراء خلق حماس ويقول: “إن إسرائيل أنشأت حماس”، لقد كان مشروعا للشين بيت في مسعى لزحزحة منظمة التحرير الفلسطينية .    

   كما قلنا لم يكن هذا الأسلوب اختراعا إسرائيليا؛ ففي كتابه “النوم مع الشيطان” وصف روبرت بيير، وهو موظف سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “السر الصغير القذر” في واشنطن أوائل الخمسينيات قائلا: “إن البيت الأبيض اعتبر جماعة الإخوان حليفا خفيا وسلاحا سريا ضد الشيوعية؛ فالقاعدة نفسها والتي أصبحت أكثر التيارات الإسلامية تطرفا وغموضا، انبثقت من حركة الإخوان المسلمين”. وكانت بريطانيا قد استغلت حركة الإخوان في مصر ضد التيار القومي، وتبعتها واشنطن خصوصا أثناء الحرب ضد السوفييت في الحرب الأفغانية الطاحنة، الحرب التي لاقت الدعم الأمريكي البريطاني السعودي للمجاهدين. وهذا تماما ما قلدته إسرائيل من خلال تشجيع ظهور حركة حماس في مواجهة أفكار القومية العلمانية، وتمثل التقليد في الهجوم علي فكرة الديمقراطية العلمانية الفلسطينية، لإعدام أي فرصة تقارب سياسي إنساني ديمقراطي فلسطيني إسرائيلي.

   لقد ارتاحت إسرائيل لاحتفاظ حماس بتوجهاتها الدينية المتشددة وسياساتها التقليدية. فأصبح هدف الغرب الواضح والدعم الإسرائيلي للإسلاميين المتشددين، من مصر إلي فلسطين إلى أفغانستان هو: عزل وإضعاف وتدمير الأنظمة والحركات السياسية البارزة التي ارتكزت علي أفكار الديمقراطية الغربية ذاتها… وكان هذا التوجه قد تجلي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، بدعم بريطاني غربي لفكرة إقامة خلافة عربية، واتضح خداع الثورة العربية الكبرى.. ومن ثم استغلال لاحق للإسلام السياسي وصولا لافغانسان، وتكرار الأمر في الربيع العربي حين تحالف الغرب ودول الخليج والإسلام السياسي ضد الثورات العربية وسعوا لقيادتها، ودمروا المنطقة وهجروا الشعوب العربية.

   سمحت إسرائيل ومنذ عام 67 للحركات الإسلامية بحرية الحركة في الضفة الغربية وغزة… هكذا ارتفع وتضاعف عدد المساجد في غزة في عقدين فقط من 1967 حتى 1987 إلى ثلاثة أضعاف، من 200 إلى 600 مسجد. يعزى ذلك إلى الأموال التي تدفقت من خارج الأراضي الفلسطينية وتحديدا من الأثرياء المحافظين في المملكة العربية السعودية ودول الجوار سواء عبر التبرعات أو الأموال الرسمية تطبيقا لسياستهم في نشر الفكر الوهابي… منذ بداية السبعينيات، وتحديدا بعد النكسة للنظام الناصري القومي، انطلق الفكر الوهابي عبر بناء المساجد العقائدية والتمويل للإخوان في الدول العربية والتأثير على مجريات الحياة الاجتماعية. شمل ذلك كل الدول العربية، ولكن بالخصوص مصر وقطاع غزة حيث كان التأثر بنتائج النكسة أوضح ما يكون؛ فسهل ارتداد الناس للدين وتشبعوا بالوهابية وهم لا يعرفون.

   نعرف الآن أن القوات الإسرائيلية دمرت كل المساجد القديمة والأخرى التي أقيمت بعد 1987؛ فقد حدثت القطيعة بين المتدينين اليهود في الحكومة وبين المتدينين المسلمين في غزة، حين قفزوا عما هو مخطط لهم من منظور إسرائيلي، وقاموا بغزوة أكتوبر. يشابه هذا التطور في العلاقة الحمساوية الإسرائيلية، ما وقع بين تنظيم القاعدة والإدارة الأميركية. حين احتاجت واشنطن للمجاهدين ضد السوفييت، اعترفت بهم كقوى تحررية، ووعد بالنظر بعين العطف لقضايا المسلمين بما فيها قضية فلسطين؛ فتوجه المجاهدون إلى أفغانستان بدعم أميركي غربي ودفع عربي رسمي من مصر السادات والسعودية ودول الخليج عموما، وتدفق المجاهدون من كل الوطن العربي إلى أفغانستان ولم يفكروا في الجهاد أولا في فلسطين، بل خرج مقاتلون وقادة فلسطينيون وتوجهوا للجهاد ضد الشيوعية لصالح الرأسمالية الغربية. انتهت الحرب وانهزم السوفيت وتنكر الغرب للقاعدة؛ فقاموا بغزوة نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي دفعت واشنطن للانتقام من المنطقة ومن القاعدة ودمرت العراق الذي لم يكن على علاقة بالغزوة أو بالإسلام السياسي، ولكنه كان يصنع الأسلحة ويعادي إسرائيل؛ فتوجب التخلص منه.

حركة حماس وليدة تنظيم الإخوان المسلمين المصري الأصل، الذي صنعته بريطانيا قبل الثورة كما صنعت الجامعة العربية. عندما حاول التنظيم في مصر اغتيال عبد الناصر، قام باعتقالهم بمن فيهم أعضاء التنظيم في غزة، ومنهم الشيخ أحمد ياسين، وكان قطاع غزة منذ نكبة 1948 حتى هزيمة 1967 تحت الإدارة المصرية. على إثر الهزيمة واحتلال إسرائيل للقطاع أطلقت سراح المعتقلين الإسلاميين واعتقلت أعضاء حركات فتح واليسار والقوميين العرب، الذين قرروا المقاومة المسلحة، ونشطوا في عرقلة انخراط العمال الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي.

   في العقدين التاليين للنكسة كان الإسلاميون في القطاع يرفضون المقاومة المسلحة، وتصرفوا على غرار جماعات التكفير والهجرة، بمعنى تكفير المجتمع ودعوته للتدين أولا كأساس لأي انطلاق تحرري. من هذا المنطلق وبدعم إسرائيلي كانوا يفضلون التصدي للتنظيمات الوطنية بالكلام ثم بالهراوات في الجامعات والنقابات، ولاحقا بالسلاح طبعا حين سيطروا على قطاع غزة وطردوا وقتلوا أعضاء فتح والسلطة واليسار. كان التحول لدى الجماعات الإسلامية مع بداية الانتفاضة الأولى، وتصدي كل الشعب للاحتلال؛ فركبوا القطار وسايروا حتى توصلت الانتفاضة إلى الحل السلمي بداية من مؤتمر مدريد حتى اتفاقية أوسلو وتعديل ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية ليقر الاعتراف بدولة إسرائيل… هنا حصل الطلاق الرسمي بين السلطة الناشئة وبين الإسلاميين الذين كانوا قد أصبحوا حركة مقاومة إسلامية، وحماس، وكتائب القسام.

   قررت حماس إفشال عملية السلام عبر قتل مدنيين إسرائيليين بالعشرات في تفجيرات انتحارية في كل مدن فلسطين المحتلة… الهدف كان إفشال السلطة في مهمة ضمان الأمن الفلسطيني الداخلي ووقف المقاومة المسلحة، الذي كان إحدى مستلزمات تطبيق اتفاقية السلام. أصبحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وبدعم غربي تطالب الرئيس عرفات بعقاب حماس ومنع عملياتها، وصار عرفات يطالبهم بتنازلات إضافية وانسحابات حتى يكسب الشارع ضد حماس التي تعاظم تأييدها بسبب العمليات الانتحارية.

   القصة طويلة ولكنها سارت على ذات المنوال، إسرائيل تساند هذا ضد ذاك، ثم ذاك ضد هذا، حتى وصل الوضع الفلسطيني للحضيض وعجز عن توحيد الكلمة بين حماس والسلطة، ثم اعترفت حماس بحل الدولتين، يعني اعترفت بإسرائيل على طريق السلطة، ولكنها تمسكت بمقاليد الأمور في القطاع عبر عدة حروب حتى أوصلتنا إلى حرب الإبادة والتي ليس من المستغرب أن يتم تلحينها والغناء لها كنصر مبين. إن سكوت الأنظمة العربية طوال المجزرة سببه انتظار التخلص من آخر معاقل الإخوان المسلمين في الإقليم حتى لو كان على أيدي إسرائيل وبهذا الثمن الباهظ الفظيع.

   للراوية بقية، أو تذكير على الأقل: في الواقع نحن في مطحنة الهيمنة والكراسي. الغرب يريد الهيمنة بايهام الانظمة والجماعات بنيل الكراسي. لنتذكر عندما تحركت الجماهير بعفوية وقوة لرفض النظام وتغييره فيما عرف بالربيع العربي، لم يكن جليا للغرب ولغيره ما المنشود من التغيير كون الانتفاضات جاءت مستقلة عن اي احزاب وتوجهات محددة. اذا أصبح لا بد من ركوبها وتوجيهها الى حيث يريدون. دول الخليج النفطية تحركت فورا لدعم أي توجهات اسلامية سياسية، بالمال والسلاح والدعاية ثم بالدعم الدبلوماسي، وتحركت الحكومات الغربية في ذات الطريق الى درجة ان وزير خارجية بريطانيا ايد وطالب ودعم ارسال الاسلاميين للقتال في الدول المنتفضة، والسفارات الفرنسية صارت توصل النقود في الحقائب للاسلاميين، والرئيس الاميركي شخصيا التقى قادة الجماعات المسلحة العاملة في سوريا، وخرج من الاجتماع يهز رأسه ويقول انهم مجموعة بقالين؛ بمعنى مطالبتهم بالمال والمزيد منه.

   الدعم للميليشيات الارهابية الاسلامية تطور الى منافسة، ثم صراع اقتصادي دبلوماسي بين الذين يريدون قيادة الاسلام السني في المنطقة بعد ان يترأس هؤلاء قيادات الدول المنتفضة. دب الخصام بين تركيا والسعودية وقطر.. للاختصار نقول تم تخريب سوريا والعراق وليبيا وتونس ومصر، وحين نجح الاسلاميون في الانتخابات تنبه الخليجيون لخطر سيادة فكرة الانتخابات في صفوف المسلمين؛ فجاء ميعاد الانقلابات والانكفاء خصوصا بعد سيطرة الامير محمد بن سلمان على الحكم في الرياض، وحصار قطر، وخراب الاقتصاد التركي بفعل فاعل.. فجأة لم يعد اي طرف يتصدر لقيادة الاسلام السني، ولم يتحرك أي طرف لنصرة حركة حماس كونها اخر حصون الاسلام السني السياسي؛ فهم لا يريدون لهذا الخط انجاز أي نصر يعيد القناعة بان الاسلام هو الحل وعودة انتفاضات شعبية عربية.. وهنا التقت ارادات عربية، فلسطينية (رام الله)، اسرائيلية غربية.      

   (حين تصنع فرانكنشتاين؛ فتوقع ان يؤذيك) 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى