من غرناطة لاوسلو

Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتساب

عبر تاريخية بين الاندلس وفلسطين

   في عام 710 ميلادية، (91 للهجرة) دخلت قوات غالبيتها بربرية الى الاندلس بقيادة طارق بن زياد، وارفده موسى بن نصير بقوات عربية، فأنتصروا في معركتهم الاولى ضد ملك القوط فارتدت اخبار النصر والغنائم لعدوة (ضفة) المغرب والتحق الناس للاندلس بكل ما يطفو على الماء .. على شاكلة المهاجرين في عصرنا الحالي حيث يركبون البحر بكل اسلوب للوصول واللجؤ في الضفة الشمالية.

   بعد عام دخل موسى بن نصير بقوات اضافية وسار في طريق غير الذي سلكه طارق ليغنم المزيد من المدن بما فيها، حتى جاء أمر الخليفة من الشام بالحضور مع طارق. الجنود القوط الفارين الى جبال الشمال كونوا بعد ذلك مملكة أستورياس التي اخذت على عاتقها استعادة ما فقدوه، أو على الاقل التي أصبحت نواة التصدي الايبيري متعدد ومتطور الاشكال .. كان لسياستهم هذه، وتخاذل وارتباك وتقاتل فئات المسلمين، ان حققوا غايتهم في عام 1491 حيث سلمهم سليل بني نصر، ابو عبد الله الثاني عشر الملقب بالصغير مفاتيح غرناطة، وهي أخر ممالك المسلمين في الجنوب الاندلسي.

   سنأخذ من هذه القرون الثمانية سلالة بني نصر، او بني الاحمر نسبة للمؤسس الذي بني الحمراء ويقال ان وجهه كان أحمراً وهذا أو ذاك سبب اللقب. الوثيقة التي سلم بموجبها السليل الصغير المفاتيح لفرنناند وايزابيل سميت معاهدة السلام!! نعم هذا اسمها الرسمي كونها توفر للمسلمين الغرناطيين وبقايا الاندلسيين حق الهجرة وحمل ما يمكن حمله على الظهر من دون اي ذهب او حلي، ومن يبقى فعليه ان يتنصر ويُراقب الى درجة توجب أكله لحم الخنزير في وجبات الغذاء أثناء شهر رمضان، وعليه ان لا يغلق باب منزله حتى يراه الجيران وكل عابر سبيل ويتأكد انه لا يمارس طقوس اسلامية. ان اقرب اتفاقية معاصرة لتلك هي أتفاقية أوسلو التي كما نرى تقدم الارض للاسرائيليين ويقوم الفلسطينيون بالعمل لدى اليهود وبل في بناء المستوطنات، وعليهم تقبل التفرقة العنصرية وتحمل معاملة العبيد، وشراء البضائع الاسرائيلية، بل وعلى الفلسطيني الرسمي حماية الاسرائيلي وهو ما جاء في اتفاقية ابو عبد الله ومن سبقوه مع ملك وملكة قشتالة واسلافهم.

   “في الحقيقة لم يسجل التاريخ معاهدة سلام متعادلة، فلا بد من ميلان الكفة للاقوى” 

   كان جد أجداد الصغير هذا قد اتفق مع أجداد ملوك قشتالة على الانصياع والقتال معهم، أي ان الصغير لم يخلق اتفاقيات السلام ولكنه سار على خطى الاجداد كما سيظهر الان. الجد أبو عبد الله محمد الأول، ولد 1198 ومات 1273، هو الغالب بالله محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن نصر بن الأحمر، أي القبيلة المنحدرة من قبيلة الانصار الخزرج جماعة سعد بن عبادة في لقاء السقيفة بعد موت الرسول، والمعروف ان الانصار لم يحتلوا مناصب في الاسلام اذ استأثر القريشيون بالقيادة والريادة .. لكنهم، كما نرى اسسوا مملكة غرناطة. 1236 للميلاد سقطت قرطبة في يد فرنناد الثالث، واهتزت اوروبا فرحاً لسقوط عاصمة الاندلس وبكى المسلمون وواصلوا البكاء، كما يبكون الان القدس. كانت اشبيلية المدينة الثانية والعاصمة الاولى للاندلس، قد وقعت معاهدة صلح مع فرنناند الثالث ولذلك لم تتدخل في الحرب ضد قرطبة بل كانت معاهدة الصلح تُقر بدعم قوات أشبيلية الاسلامية لفرنناند عندما يطلبها، وكان على أميرها ابو عمرو بن الجد ان يحضر الى البرلمان الاسباني ضمن حاشية فرنناند.

   توجس الثوار في اشبيلية شراً بعد سقوط قرطبة فثاروا على ابن الجد وقتلوا وزيره والغوا الاتفاقية. هذا بالطبع بالنسبة لفرنناند الثالث يتطلب أحتلال أشبيلية رغم صعوبة ذلك عسكرياً. هنا طلب فرنناند حضور ابن الاحمر من غرناطة بقواته لدعم القشتاليين ضد اشبيلية .. نعم كان ابن الاحمر قد عقد هو الاخر معاهدة سلام مع فرنناند يتوجب عليه الطاعة والقتال الى جانبه والسير في ركبة في المناسبات والاجتماعات مقابل عدم الاعتداء على غرناطة، وهذا ما يؤدي اليه التطبيع مع إسرائيل وبداية عقد اتفاقيات منها دفاعية. التقي ابن الاحمر وقواته مع فرنناند واخذ يقنع القلاع والحاميات حول اشبيلية وتلك التي في الطريق اليها بالاستسلام لحماية الارواح .. هل يُذكر هذا الوضع بشئ في عصرنا الاغبر الحالي؟ ألم تهتدي بعد؟ ماذا عن فتح وحماس وإسرائيل أذاً؟ وماذا عن التحالف الدولي العربي العسكري بقيادة امريكا ضد العراق؟ وهل يمكن ان ننسى مقاطعة ومحاصرة قطر؟ أو التحالف العربي من نصف اليمن ضد التحالف الايراني مع نصفها الاخر وتجويع الغلابى! عموماً لا يوجد دولة عربية او اسلامية غير متحالفة مع أحد الشياطين ضد جارتها العربية او الاسلامية .. هكذا للاختصار.

   “الخوف على المصلحة الذاتية والمنصب والحكم هو اهمال القوة الذاتية، والخائف حتماً يسير في طريق الخيانة” 

   سقطت أشبيلية في 21 نوفمبر 1248 بعد حصار سته شهور وبمشاركة قوات الاحمر، دخل فرنناند الثالث مدينة إشبيلية مزهوًا بنفسه، مختالاً بقواته، يحوطه موكب ضخم، يتيه اختيالاً بما حقق من ظفر ونصر، واتجه إلى مسجد المدينة الأعظم الذي تحول إلى كنيسة، وقد وُضع به هيكل مؤقت، وأقيم في المسجد قداس الشكر، ثم اتجه إلى قصر إشبيلية، حيث أدار شئون دولته، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم بين جنوده كغنائم، ومن ذلك التاريخ أصبحت إشبيلية عاصمة مملكة قشتالة النصرانية بدلاً من طليطلة في وسط الشمال.

   توالت القيادات القشتالية في احتلال بقية المدن في الوسط والغرب والجنوب حتى حان موعد مملكة غرناطة 1491. لكن لنتروى في بعض التفاصيل: مات الاحمر ابو عبد الله الاول عن عمر ثمانين 1273 متأثراً من جراح في معركة ضد معارضين محليين، وكان قد عين ولده ابو عبد الله الثاني الملقب بالفقيه وريثاً.علينا ملاحظة ان الاسبان والعرب في الاندلس كانوا يتوارثون الاسم ذاته ويميزون ذاتهم بالرقم الاول والثاني حتى الاخير.

   شهد عهد محمد، ابو عبد الله الثاني، الفقية، تواصل الحرب الأهلية بين أسرته وأسرة منافسة، أشقلولة، التي تحالفت مع نبلاء مسيحيين وأمراء حرب في مدينة ملقه جنوب الاندلس، حيث حدثت قلاقل 1278 واستغل الفقيه الحدث واستولى على المدينة ووسع مملكة غرناطة. مع هزيمة غرمائه، منح الفقيه حكم ملقة لابن عمه وصهره، أبو سعيد فرج. وكان لمحمد الفقيه هذا، على الأقل، ثلاث أبناء: فرج، محمد الثالث ونصر، وهذا الأخير كان ابنه من جارية مسيحية، وهذا حال سار عليه غالبية امراء الاندلس منذ الداخل، صقر قريش حتى سلالة الاحمر.

   كان الاحمر قد اوصى الفقيه بتوثيق العلاقات مع بني مرين في العدوة المغربية، وبالفعل اشتركت قوات غرناطة وبني مرين في معركة ضد ملك قشتالة الجديد الفونسو العاشر، وانتصروا عليه بشدة مما منح غرناطة بعض الهدؤ والطمأنينة من العدو القشتالي ومواصلة بناء قصر الحمراء. لكن النصر لعب في راس الفقيه وأنقلب على بني مرين خوفاً ان يستحوذوا بغرناطة، وعاد للتحالف مع ملك الاسبان ضد أنصاره وعزز حكم سلالة الاحمر على غرناطة. في عام 1302 توفي الفقيه الذي لقب ذاته بالسلطان، وقال وهو يحتضر انه قد تسمم من كعكة ارسلها له ولده محمد الثالث، ولذلك اطلق الناس عليه لقب المخلوع عندما تولى السلطان بعد والده. بالطبع عمت الاضطرابات السياسية والعسكرية والتظلم لان المخلوع باشر بتنصيب اعوانه ضد رجالات الدولة الذين بدورهم تحالفوا مع نصر، الاخ الثالث للمخلوع ابن الزوجة المسيحية .. قتلوا وزير المخلوع واعتقلوه ومن ثم نفوه الى الاقامة في حصن المنكب بعد ان أجبر على التنازل لنصر. مثل هذه الاحداث وافظع منها حدثت في عدة دول عربية خليجية في فترة التأسيس بين العثمانية والاستعمار الانجليزي، حيث تم قطع رؤوس اخوة لبعضهم مراراً. . ولا زالت تحدث ….. (للفصل والعمل بقية)

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »
error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى