نور غزة وكوارثها تكشف الحقائق

فيسبوك
تويتر
واتساب

   رغم الكارثة؛ فللحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة فضائل يكثر تعدادها وتنوعها؛ فهي منبه يعلو رنينه في مزيج من الشؤون الدينية الإسلامية واليهودية، والسياسة القومية، وإحياء الاستعمار والظلم، وأيضا ظنون الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والقانون والمواثيق الدولية، وشؤون أخرى سيأتي ذكرها تباعا.

   على الصعيد الديني ثبت فشل المؤسسة والفكر الديني، وتأكد أنه ممارسة تقليدية فارغة من معاني الإسلام الأساسية، مثل واجب النصرة والجهاد، إذ بدونهما يسقط الانتماء الفردي والجماعي، ويتحول الفكر الديني فقط إلى طاعة وتمنيات ودعوات، و…. على البلاط. حتى الحركات السنية مدعية الجهاد والمبدعة في الاقتتال الذاتي، وقفت متفرجة بانتظار القضاء على مقاومة غزة وشعبها، وذلك رغم طول فترة العدوان الاستعماري. النتيجة ذاتها كانت من نصيب الفكر القومي العربي، الذي لم يفشل لأنه لم يكن موجودا أصلا منذ زمن، بعد تطبيق قصة الثيران الثلاثة… في البداية تحالفوا على جمال عبد الناصر، ثم حاربوا صدام حسين، وبعده طاردوا القذافي؛ فبقي الأقزام، وغربت شمس القومية العربية، وبدأ عهد الأمركة ومن ثم الأسرلة بالقوة والابتزاز… كان كل ذلك قد حدث قبل الحرب على القطاع، لكن أحدا لم يصدق قارعي الأجراس، وللان هناك من لن يصدق هذا الحال والنتائج الجلية التي وصلنا إليها، والمصير المتهورين إليه.

   ظهر أيضا من هذا العدوان أن الديانة اليهودية عادت لأساطيرها الفاشية من مطالب بالقتل والسبي والتدمير، وأنها ليست الديانة المسالمة المتطورة التي ظنها العالم الغربي طوال القرن الماضي. ليس في هذا القول أي تجني؛ فهم يعلنون ذلك دون خجل، يطالبون بالموت للعرب ويمارسونه بشدة لم تحدث في إي حرب في التاريخ الحديث المسجل. وزراء منتخبون، وناخبون كثر يطالبون بالإبادة للفلسطينيين المدنيين وطردهم من بلادهم، بل يتنافسون في المزايدة على بعضهم البعض الآخر، ورجال الدين يحثون الجنود على القسوة. لقد أصبح الحديث عن طرد سكان القطاع من وطنهم واحتلاله شيئا عاديا قابلا للنقاش عبر ساسة العالم بدل أن يعزلوا الطرف المتفوه ويقاطعونه ويحاربونه على هذه الجريمة المركبة، جريمة الإبادة، والتهجير، والاحتلال.

   حكومة فاشية مارقة تعلن وتمارس أنها تتحدى العالم ومؤسساته الأممية والقضاء والقرارات الدولية، بل إن مندوبهم في الأمم المتحدة يطالب باستقالة الأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس وزرائهم يعلن انه لن يتجاوب مع المواقف الدولية. اليهود العقلاء وبعض العلمانيين واليساريين يزدحمون يوميا في مطار تل أبيب لمغادرة هذا الجنون من دون رجعة.

   العالم الغربي الرسمي الذي ساهم في إقامة هذا الكيان الاستعماري في الشرق الأوسط للتخلص من اليهود في الغرب، كان يظن أنه المستفيد من الكيان ومعه عبر الاستعمار الحديث، ولكنه اكتشف مع حرب غزة أنه عاجز عن التأثير ووقف الإبادة؛ فقد تمرد فرانكنشتاين، وفشل صناعة في السيطرة عليه. هم يعرفون أنه في النهاية سيضر بذاته، ولكنهم عاجزون عن ردعه عبر وقف تغذيته، خوفا من سطوته الإعلامية والاستخبارية والابتزازية التي نمت شبكتها عبر عقود. إنه من غير المنطقي استمرار تغذية آلة الحرب بالذخائر والعتاد الأمريكي والبريطاني والألماني، وعدم الاستجابة لمطالب هؤلاء بوقف الحرب، وتجنب الإبادة أو تقليل ضرر المدنيين… اللهم إلا إذا كانت مطالب الغرب بحرب إنسانية كذب ودجل وهم مشاركون تماما في حرب الإبادة لتمكين صنيعتهم من التوسع والهيمنة.

   لا بد هنا من الإشارة أن ما يجري ليس حربا بين طرفين، بل دولة استعمارية مدعمة غربيا تحارب مجموعة مقاومة من بضعة الإف، وتبيد عشرات الإف المدنيين غير المسلحين أو المدربين أو المؤهلين للدفاع عن ذاتهم، وتدمر بلادهم وتحولها إلى خراب.

لا يمكن فهم الموقف الغربي الرسمي، وتحديدا الأميركي والبريطاني والألماني وتوابعهما من دون التأكيد على مشاركتهم واشتراكهم في الإبادة… طالما هناك إمداد بالأسلحة والمال لدعم هذا الفعل العدواني الحربي، فهناك مشاركة إيجابية في صنعه. لا يعقل مع زيادة القتلى وتطور الإبادة علنا، الاكتفاء بالتمني بتخفيف تعداد القتلى الابرياء، والتظاهر بالإنسانية ووضع اللوم على رئيس وزراء الكيان. لو كانت هناك إرادة لتم وقف الإمداد، ثم سحب السفراء، ثم تمرير قرارات دولية بالمقاطعة، والتزام بالمواثيق الإنسانية. في الواقع أن مطالبة قادة الغرب الاستعماري بتخفيف عدد القتلى المدنيين، هو أصلا موقف عنصري فاشي تماما؛ فالأجدر محاسبة المعتدي على كل ضحية مدنية، ناهيك عن مائة ألف مدني بين قتيل وجريح ومفقود يمثلون 4.5 % من سكان القطاع 60% منهم أطفال ونساء والبقية ذكور غير محاربين أو مدربين. لو طبقت هذه النسبة من الخسائر على الولايات المتحدة لكان تعدادهم 12 مليون نسمة. هذه الإبادة إنما هي انتقام صرف من المدنيين، وتعبير عن فشل في مواجهة المقاومين في الميدان. كان جيش أدولف حين احتل أوروبا يمارس السياسة ذاتها في إعدام المدنيين لردع المقاومين.        

   الفكر الاستعماري الاستعلائي العنصري الغربي السائد بين النخب السياسية، ضم الفكر الصهيوني العنصري الفاشي إلى صفوفه. جاء التحول بعد مذبحة النازية والفاشية لليهود في أوروبا وإرسالهم لفلسطين المحتلة من بريطانيا كدولة وصاية، ثم دعمهم ماليا وعسكريا من الغرب، وتحديدا ألمانيا التي زودتهم مبكرا بكل بقايا السلاح النازي، حتى تتم الاستفادة منهم ضد حركة التحرر العربية المناهضة للاستعمار الغربي، وبالتالي تم ضمهم إلى العنصر الاستعماري الاستعلائي الأبيض، ودعمهم من دون تحفظ كون الضحية تنتمي لعرق آخر.

   لا يمكن أبدا أن نشمل شعوب الغرب في الصفات العنصرية وتقبل الفاشية والاستغلال والاستعمار، وهي الصفات الملاصقة لرجال السياسة وصناع القرار. السياسة ترتبط بالمصالح لرجالها؛ فهم يريدون الاستمرار في السيطرة عبر الانتخابات، وبالتالي يسعون لإنعاش الاقتصاد وتعزيز موقع البلاد عبر أسهل الطرق، وهي الانحياز للظلم والاستغلال ومصادر الدعم والحماية… وقبل كل شيء مراعاة الإعلام لمواصلة التحايل على الجمهور، هذا الإعلام والمؤثر منه مملوك إلى ممولين معروفين يهيمنون على غالبية الإعلام الغربي، والويل لمن يعترض على إرادتهم. ومن فضائل حرب غزة أنها كشفت هذا الجانب من دون مواربة، واتضحت الحقائق لنسبة كبيرة من شعوب الغرب، وهذا ما أحدث التغيير في بعض مواقف السياسيين والدول الغربية.

   أصبح الرئيس الأميركي (والحكومة البريطانية والألمانية)، يطالب بتقليل الخسائر المدنية، وهدن مؤقتة، وتمرير الطحين للسكان المحاصرين النازحين، بينما وزراء الكيان يرفضون علنا تمرير الطحين الممول أمريكيا… هذه الشعارات الفارغة يراد منها التحايل على الناخب الأمريكي في عام الانتخابات الرئاسية بعد أن اتضح تراجع نسب المؤيدين للرئيس كنتيجة لسياسته تجاه الحرب. كلاب واشنطن في البلدان الغربية يواجهون ذات المصير الانتخابي ولو بعد حين، ولذلك ينبحون مثل بايدن ويحاولون التملص من مسؤولية المشاركة في الإبادة بعد أن تم اكتشاف تواطئهم محليا وعالميا. لقد أوضحت هذه الحرب أننا نعيش في عالمين مختلفين، عالم الكلاب المتسلقة المستغلة للديمقراطية، وعالم الشعوب الأكثر وعيا وإنسانية وشجاعة لقول الحقيقة والالتزام بالعدالة للبشر، وهذا في حد ذاته تجديد لمبادئ الحرية والديمقراطية، وبالتأكيد لن ينسى الناخبون مواقف السياسيين يوم الحسم الانتخابي.

   اتضح أيضا أن النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية غير فعال؛ فهو لا يخدم قضايا الضعفاء وإنما يساعد في غطرسة الأقوياء وفرض إرادتهم مهما كانت ظالمة. كما تأكد أن نظام التبعية الاقتصادية للدول تحت تسميات سياسية واهية هو نظام استعماري يتحكم في قرارات الحكومات التابعة ولا يأبه بمصالح الشعوب… لذلك تحديدا تجد الحكومات العربية في هذه الحالة عاجزة عن تحدي قرارات واشنطن والغرب، ولذلك لم يُتخذ أي قرار عربي رسمي احتجاجي ضد المشاركين في حرب الإبادة… لا سحب سفراء من واشنطن ولندن وبرلين، ولا تقليل لإمداد النفط أو رفع أسعاره أو غير ذلك بعيدا حتى عن الصدام الفعلي. كل ما تفعله الحكومات العربية والاسلامية المرتهنة للغرب هو التمني والرجاء والتوضيح والشرح.

   الطامة الكبرى التي تجلت في هذه الحرب، وبكل صراحة، هو الموقف الفلسطيني الرسمي، يعني السلطة في رام الله والحركات الإسلامية في القطاع، وبقايا المنظمات في منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت منظمة الزهايمر… هؤلاء يتقاتلون منذ سنوات على التمسك بالكرسي الخازوق، واختلافهم هو سبب مباشر لاستمرار نكبة الشعب الفلسطيني… حتى في ظروف الإبادة الجارية كنتيجة لغزوة أكتوبر، تجدهم على غير قلب واحد.

   كان من المفروض والضروري وخلال أقل من أسبوع على اتضاح مدى الإبادة والأهداف والهجمة الاستعمارية الاستيطانية الجلية والمعلنة، كان المطلوب أن يجتمعوا ويتفقوا على طريق مشترك يؤدي إلى الصمود والنصر، ومن ثم الانتخابات وتسليم الشعب مصيره باختيار قيادته بعد كل هذا الفشل والضياع والتمسك بالكراسي عشوائيا.

   الواجب الآن فورا تشكيل قيادة وطنية مشتركة مؤقتة من كل الفئات والقوى النشطة وإعلان الانضمام لوعاء منظمة التحرير الفلسطينية، وتأكيد أن هذه قيادة مؤقتة لثلاثة أشهر بعد توقف العدوان، ومن ثم تتم انتخابات إلزامية للشعب الفلسطيني كله بالطرق الإلكترونية. القيادة المنتخبة تنجز وتجدد الدستور والتشريعات ويتم التصويت عليها في أقل من عام، وتضم هذه التشريعات تخوينا رسميا لكل من يعطل أو يماطل لاحقا في إجراء الانتخابات بشكل دوري… القوى التي ترفض تحركا كهذا أو مشابه وسريع يعتمد الانتخابات وارادة الشعب، هي حتما قوى عميلة للاحتلال، أو الاستعمار، أو لقوى عربية وإسلامية تعيسة تريد الاستفادة من الدم الفلسطيني… وبكل صراحة ومع استمرار المطالبة للعرب بالنجدة والعالم بالمناصرة؛ فمن العار والشنار على كل من يجادل الآن حول أهمية وأحقية الوحدة.

   إذا كان هناك من ينتظر هزيمة المقاومة ودمار الشعب الفلسطيني ليجلس عبر الاحتلال على الكرسي؛ فهو ملعون، وعلي الطرف الآخر إذا كان قادة حركات المقاومة في الداخل والخارج ينتظرون انتهاء الحرب ليعلنوا نصرهم فوق الدمار وبالتالي أحقيتهم في التفرد بالقيادة أو الهيمنة؛ فهم أيضا قيادة ملعونين وسيكون الشعب براء من كل هؤلاء… لا بد من الاستفادة من الحرب على الاقل بانجاز الوحدة الآن فورا وفي ظل الحرب بقيادة مشتركة موحدة مؤقتة، وموعد انتخابات قريب جدا والا سيغرقكم الشعب الفلسطيني قريبا بالبصاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
Scroll to Top