آفاق ما بعد محكمة العدل الدولية

فيسبوك
تويتر
واتساب

   مشكلتنا في العالم الثالث، وبالتالي في فلسطين طبعا، هي القيادات التي تنصب ذاتها، سواء بالميراث، أو بالقهر، أو بالتحايل. النوع القهري قد يشمل الأطياف الثلاثة ولو بدرجات متنوعة. في فلسطين المستعمرة منذ أيام بريطانيا قبل النكبة، يجد الناس ذاتهم ملتزمين بمن يتصدى للمحتل ويقاومه، وبالتالي منذ قرن من الزمان على الأقل لم يتوصل الشعب لاختيار قيادة من كوادره العلمية والثقافية، ولكن كانت القيادة تفرض ذاتها باسم النضال من الشيوخ ورجال الدين، أو العائلات الإقطاعية العميلة حسب مصالحها، أو المقاتلين على أنواع التسميات: فدائية، ثوار، مجاهدين، إلخ… ولم يتطور الأمر إلى انتخاب للقيادة إلا في ظل بداية اتفاقية أوسلو، وهنا طبعا تم انتخاب المناضلين الذين وقعوا الاتفاقية كون الميزانية معهم، والعسكر تحت تصرفهم، ثم تطور الأمر لانتخاب أخير نجح فيه محاصصة أيضا مقاتلون دينيون انقلبوا على الحكم في غزة وسيروا المجتمع على الصراط المستقيم، ولكن دون نزاهة مالية أو سياسية أو اجتماعية.

   يمكن الجزم مجددا الآن أنه لو كانت القيادة الفلسطينية موحدة ومنتخبة دوريا لما وقعنا في فخ هذه المجزرة الإبادية التي نجد ذاتنا فيها، سواء في قطاع غزة أو حتى في الضفة التي تحكمها السلطة الفلسطينية المتماشية مع الاحتلال. لكن ومنذ عقدين تتقاتل الديوك الفلسطينية على تسلم الكعكة كلها، وعطلوا بخلافاتهم الانتخابات واختيار الشعب لقيادته التي سيكون من المستحيل أن تورط القطاع فيما حصل، أو تتعامل مع الاحتلال كما يجري في الضفة. ولو كان هذا الجزم خائبا، وان ما يحصل سيحصل؛ فيكون ذلك باختيار الناس ورغبتهم وبالتالي يتحملون بطيب خاطر نتائج اختيارهم.  

   الصراع بين الديوك، التي هي من فصيلة الفراخ أصلا، وبالتالي تتسم بالغباء ولا تعرف غير النق والنقنقة، وفي النهاية يتعشى بها المحتل، هذا الصراع يعكس خلفية المتقاتلين. منذ اليوم الأول وحتى الآن تغاضوا عن النضال التعليمي والاجتماعي، وما يهمنا هنا، النضال القانوني. لقد قيل لهم مرارا وتكرارا أن يلجئوا للقانون الدولي الذي هو في صالح فلسطين وقضيتها، لكن مستواهم لم ينجدهم لإدراك الأهمية خصوصا وأنهم لا يفقهون في القانون الدولي من قريب أو بعيد، ولا يريدون تسليم الدفة لغيرهم حتى في شأن خاص مثل المقاضاة… وللحقيقة عندما ألح عليهم الرأي العام الفلسطيني لمقاضاة الاحتلال في السنوات والحروب الماضية كانوا يرضخون لابتزاز المحتل أن وصولهم للهيئات الدولية سيعني قطع المزايا والميزانيات ويلحق بهم الضرر. لقد كنا في غنى عن كل هذه الكوارث لو ذهبنا للقانون والهيئات الدولية في المناسبات السابقة.

   في أكتوبر عام 1998 وقع عرفات والنتنياهو بضغط من كلينتون الاتفاقية التي تقر بانسحاب إضافي من بعض مناطق الضفة، مقابل تصدي السلطة للمقاومين… أثناء التفاوض رفض النتنياهو التوقيع؛ فقال له كلينتون: إن لم توقع سيذهب عرفات للأمم المتحدة لتعديل مكانة إسرائيل من ناقص إلى إعادتها لوكالة يهودية؛ فوقع النتنياهو ولكنه بالطبع لم يطبق الاتفاقية. تعديل مكانة إسرائيل كان متاحا منذ 1948، ولا زال حتى الآن، ولكن منظمة التحرير ومن ثم السلطة، أو إي دولة عربية لم تتجرأ وتقدم على المطالبة بالتعديل.

   حين اعترفت الأمم المتحدة بإسرائيل كعضو، وكل الدول التي اعترفت بها آنذاك ولاحقا، كان الاعتراف مشروطا بتطبيق واحترام قرارات الأمم المتحد، أي قرار التقسيم 181، وقرار عودة وتعويض اللاجئين 194، وتقسيم القدس، وقيام دولتين في فلسطين منزوعي السلاح، وغير ذلك مما ورد في قرار التقسيم وما تلاه، ولكن إسرائيل لم تطبق تلك الشروط لاحقا وبعد الاعتراف المشروط بها، وبالتالي عضويتها منقوصة ويمكن الطعن فيها لتعود إلى وضعية الوكالة اليهودية التي كانت في فلسطين أيام الانتداب وتدافع سياسيا عن حقوق اليهود.

   أضف لذلك أن فلسطين منذ 1921 وضعت تحت الوصاية البريطانية وتشكل مجلس وصاية من عدة دول، لتطوير الشعب الفلسطيني وإيصاله للاستقلال. لكن بريطانيا فعلت فعلتها المعروفة، وعندما طرح قرار التقسيم في الأمم المتحدة لم تصوت الدولة الوصية بريطانيا لصالح القرار، وبالتالي هو شرعا وقانونا غير نافذ، ولكن الجهل العربي والبلطجة الاستعمارية والمصالح الروسية آنذاك، مررت الموضوع بهدوء وسكوت. وهنا أيضا سبب آخر لنقص مشروعية إسرائيل كدولة… فالدول لا يمكن الاعتراف بها من الغير وقبولها في الأمم المتحدة إلا بتوافر ثلاثة شروط: تواجد شعب متجانس على أرض، ووجود سلطة تنظم شؤون الدولة والشعب، ووجود حدود جغرافية معروفه ومعلنة لهذه الدولة.

   كل الدول المعترفة بإسرائيل الآن، إنما تعترف بها ضمن حدود قرار التقسيم فقط، وحتى بعد اتفاقيات أوسلو التي تنازلت لإسرائيل واعترفت بها ضمن حدود 1967 هي باطلة لأن اتفاقيات أوسلو لم تنفذ وأفشلتها إسرائيل باعتراف الجميع… كل ما سبق يشير لإمكانية تعديل مكانة إسرائيل شرعا وقانونا وإعادة الأمور لوضعية زمن الوصاية، وذلك بتفعيل مجلس الوصاية، والمطالبة بحماية دولية ووصاية جديدة ريثما يتم البت في الصراع منذ أسسه الأولى. ذلك لم يفت زمانه وينتهي أوانه، بل يمكن البداية من قرارات محكمة العدل الدولية الأخيرة والمؤقتة حسب القضية التي تقدمت بها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وليس السلطة الفلسطينية، أو جامعة الدول العربية المسطولة، أو أي دولة عربية، بل، والحمد لله دولة جنوب أفريقيا.

   القرارات التي أصدرتها أعلى هيئة دولية قضائية في العالم بشبه اجماع، يجب تطبيقها بكل الطرق إذا وجد من يتابعها إجرائيا؛ فالقضاة ليس من واجبهم الحرب لصالح قراراتهم، ولكن على أي من الدول المعنية أن تواصل الإجراءات القانونية عبر مجلس الأمن، وان رفض المجلس؛ فعبر الجمعية العمومية، وتشكيل قوة حماية مسلحة لتطبيق قرارات المحكمة بوقف الإبادة الدائرة في قطاع غزة… هنا فيما يلي بعض التفصيل والتوضيح.

   محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وقد أصدرت يوم الجمعة 26 يناير 2024 حكما ابتدائيا وتدابير طارئة بحق إسرائيل في الدعوى القضائية التي رفعتها جنوب إفريقيا متهمة إسرائيل بانتهاك اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الإبادة الجماعية. يتضمن الحكم:      اتخاذ جميع التدابير لمنع أي أعمال يمكن اعتبارها إبادة جماعية، ضمان عدم قيام الجيش الإسرائيلي بأي أعمال إبادة، منع ومعاقبة أي تصريحات أو تعليقات عامة يمكن أن تحرض على ارتكاب إبادة جماعية في غزة، اتخاذ جميع الإجراءات لضمان وصول المساعدات الإنسانية، عدم التخلص من أي دليل يمكن أن يستخدم في القضية المرفوعة ضدها، تقديم تقرير للمحكمة خلال شهر بمدى تطبيقها لهذه التدابير والأحكام.

   هذا الحكم جاء بالإجماع ما عدا قاضية أوغندية تبرأت منها حكومتها لاحقا، أي قضاة من 15 دولة تشمل أميركا وروسيا وألمانيا وفرنسا وأستراليا وغيرها… كلهم أيدوا قرار التدابير المؤقتة السريعة، وفي هذا إشارة واضحة للإدانة إذ طلبت المحكمة من إسرائيل تقديم تقرير خلال شهر عما فعلته بصدد قرار المحكمة، وسيثبت أنها لم تفعل ما يزيل الاتهامات بل تمادت فيها كلها، وبالتالي سيكون الحكم عليها كدولة إبادة شبه مؤكد.

   المحكمة لم تطالب بوقف فوري للقتال، لكن تنفيذ كل أو بعض مطالبها يستدعي بالتأكيد وقف القتال… أو بالأحرى وقف الهجوم الإسرائيلي. لو طالبت المحكمة بوقف القتال فهذا سيكون ملزما للطرفين، لكن الطرف الفلسطيني مقاوم لاحتلال وله الحق في القانون الدولي بالمقاومة، ولو أصدرت المحكمة حكما بوقف القتال لكانت قد ناقضت القانون الدولي، لذلك لجأت لحل الاستجابة لكل مطالب جنوب أفريقيا السريعة قبل الحكم النهائي للدعوة.

   دعوة جنوب أفريقيا ضد إسرائيل جاءت حسب المادة التاسعة من اتفاقية منع الإبادة التي تلزم كلا من وقعها بالاحترام لبنودها وتطبيقها، بينما المادة الثامنة تقر بإمكانية تشكيل قوة دولية لحماية المهددين بالإبادة، وبالتالي يمكن الآن لجنوب أفريقيا أو إي دولة أخرى موقعة على الاتفاقية أن تتقدم بطلب تشكيل قوة دولية لحماية الفلسطينيين في غزة من الإبادة، وذلك تبعا وتطبيقا لقرارات المحكمة. أيضا يمكن الذهاب بالقرارات لمجلس الأمن للغاية ذاتها، واي دولة تعترض على تطبيق قرارات المحكمة الدولية تكون عمليا مشاركة في الإبادة، وحينها يتم اللجوء للجمعية العمومية وتخويلها باتخاذ قرارات ملزمة ومنها تشكيل قوة دولية للحماية. هذا ناهيك عما تخوله هذه القرارات من ضرورة لمقاطعة الدولة المتهمة كما حدث في حالة جنوب أفريقيا أيام حكم التمييز العنصري.

   هناك مجموعة دول استعمارية وعنصرية تؤيد إسرائيل في كل الظروف وتمدها بالسلاح والعتاد والمال والمرتزقة مزدوجي الجنسية. بعد صدور القرار حركت إسرائيل بدعم من هذه المجموعة اتهام الأونروا التابعة للأمم المتحدة بوجود 12 من موظفيها أيدوا هجوم حماس يوم السابع من أكتوبر، وهذا من أصل ثلاثين ألف موظف من أصول فلسطينية!! وبدل القول إن غالبية الشعب الفلسطيني حسب هذه النسبة لا تؤيد حماس، قالوا إن الأونروا تشجع على الإرهاب، وفورا وقبل تشكيل لجنة تحقيق أو انتظار التمحيص في الاتهام قامت هذه الدول بوقف فوري لمساعداتها السنوية للأونروا… أي عمليا رفض بعض قرارات المحكمة الدولية، والاشتراك مع إسرائيل في عملية الإبادة عبر التجويع… وقبل كل شيء التشويش الفوري على قرارات المحكمة والإلهاء عن توابعها المحتملة.

   أي تقصير عن متابعة قرارات المحكمة في مجلس الأمن والجمعية العمومية سيكون ارتهانا للسياسة الأميركية الإسرائيلية، ولن ينفع توجيه الاتهامات الفارغة للعالم… ربما تتحرك جنوب أفريقيا وتحمل القضية لمجلس الأمن قبل انتظار تقرير إسرائيل خلال شهر، لكن أي دولة عربية أو عالمية موقعة على اتفاقية منع الإبادة يمكنها نقل القضية لمجلس الأمن… المهم ان لا تتهاون القيادة الفلسطينية في الطلب من الآخرين بالمبادرة، أو حتى تطالب المتشجعين بالتروي.

   إن التجارب عبر العقود تثبت أن الشعب الفلسطيني من أشجع شعوب الأرض؛ فهو يقاوم ليس إسرائيل استعمارية استيطانية فقط، بل هي مدعمة من أقوى رؤوس المال في العالم، ومن أكبر القوى الاستعمارية المتتالية منذ البداية، ولكنه صامد ثابت في أرضه يتصدى لخطط الاستعمار الظالم، وكان من المفترض أن يتحرر ويستقل ويعيش بسلام خصوصا أن العالم قرر انهاء عهد الاستعمار… لكن أحد وأهم مشاكل الشعب الفلسطيني أن قياداته تأتي دوما من صفوف العسكر والمجاهدين، وأن الشعب يتجاوب مع لعلعة الرصاص بغض النظر عن المفاهيم والأطر خلف تلك الزيطة… ولا غالب إلا الله، كما قال بني الأحمر في الأندلس.          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى