هل أضاع حزب الله فرصة إنهاء الكيان؟

فيسبوك
تويتر
واتساب

   الإجابة على هذا السؤال الأساس تحتاج لإجابات على مجموعة أسئلة مثل: هل يمتلك الحزب من الأسلحة ما بوسعه شلل قدرات إسرائيل في الرد، أو الحد من قوة وحجم الرد؟ أم أن الضربة الأولى من الحزب سيليها تدمير بيروت ومن ثم لبنان؟ هل كان طوفان الأقصى عملا مخططا له ومتفق عليه مسبقا بين المقاومة الفلسطينية واللبنانية؟ ولو كان كذلك، فهل تخاذل الحزب، أم أن مشاركته المتصاعدة مقصودة كخطة لاستنزاف الكيان وزرع عوامل الخلل في مجتمعه؟ والسؤال الأهم: هل يعرف حزب الله أن حربه مع إسرائيل حتمية ووجودية؟

   بالنسبة لإسرائيل فهي لا تُنكر، وتعيد وتزيد وتُذكر بالمخطط الصهيوني الأساس، الذي يعتبر جنوب لبنان جزءا من أراضي إسرائيل الكبرى، وقد حاولت مرارا تحقيق هذا الهدف بالقوة، وتنتظر الفرصة الملاءمة لإعادة الكرة سعيا للاحتلال والضم على غرار الجولان السوري. وطالما يصعب على إسرائيل تحقيق الاحتلال فهي تسعى لأهداف أخرى مهمة متعلقة بالفلسطينيين وبلبنان… مشروع تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى ما بعد سيناء، التي تخطط لأخذها أيضا في الوقت المناسب، وتهجير فلسطيني الضفة إلى الأردن ضمن رؤية إسرائيل للوطن البديل، وترحيل فلسطيني الجليل إلى ما خلف نهر الليطاني في الجنوب اللبناني… لذلك تريد إبعاد حزب الله عن الجنوب وضرب قواته وإنهاء خطر تصديه للمخطط الصهيوني جاري التفعيل.

   يستفاد من أدبيات حزب الله أنه يعرف بالمخطط الصهيوني تجاه لبنان، وقيل الكثير عن رغبة الحكومة الإسرائيلية لضرب الحزب أثناء أو بعد الانتهاء من غزة، بل حاولت تل أبيب توريط أميركا والقوات الغربية لشن الحرب الوقائية على لبنان عبر الأساطيل… وكون الحزب يعرف بكل ذلك، خصوصا وان الدبلوماسية الأميركية الغربية بدفع إسرائيلي حاولت تهديد الحزب بالانسحاب إلى ما خلف الليطاني، وذلك في منتصف الشهر الثالث للحرب على غزة، وقدمت الوعود والتهديد إلى لبنان ليوصلها إلى الحزب: وعود بإعادة مزارع شبعا ولحلحه في الملفات الداخلية العالقة، أو إذا رفض الحزب الانسحاب فسيواجه تصديا عسكري غربيا. والسبب لذلك التطور اللاحق لجلب الأساطيل منذ الأيام الأولى للحرب… السبب هو التصعيد المنظم والمتتالي في التراشق العسكري بين الحزب وجيش الكيان، وما أحدثه من تهجير للمستوطنين من شمال فلسطين إلى وسطها.

   عموماً ما يجري على جبهة الجنوب اللبناني (وجبهة البحر الاحمر) هي حرب استنزاف لإسرائيل ودعم للمقاومة في غزة بكل معنى الكلمة. لكن هذه الحرب قد تنفجر إلى حرب مفتوحة بمشاركة غربية، وبالتالي سواء كانت مخططة سلفا بهذه الطريقة من قِبل الحزب أو جاء التطور إلزاميا؛ فالسؤال هو: لماذا لم يشارك الحزب منذ البداية في الحرب واستغلال عنصر المفاجأة واجتياح كل الجليل الفلسطيني ودفع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى بلدهم الأصلي وخلق أمر واقع سيعطل التصدي الجوي والمدفعي؟ هذه الفرصة أتيحت لبضعة أيام فقط بعد السابع من أكتوبر، حتى وصول البوارج الغربية الأميركية. السؤال اللصيق بالتالي: هل سيترك الحزب المقاومة الفلسطينية تنكسر وتُباد عسكريا من دون ان يتدخل للانقاذ وقلب الطاولة؟

   بعد بداية الحرب وخلال اسابيعها وشهورها قيل الكثير من انصار وأعضاء ومناصري الحزب ان أي اعتداء شامل على الحزب أو على لبنان سيكون كارثيا على إسرائيل، بداية من ان طائراتها المهاجمة في الضربة الاولى لن تجد المطارات التي اقلعت منها حين تعود، وان الكهرباء سينتهي عهدها، وكذلك مياه الشرب، ومخازن الوقود والبنية التحتية الإسرائيلية سوف تدمر كرد على أي عدوان مفتوح من العدو على الحزب ولبنان… باختصار كان هؤلاء يمجدون بقوة وصمود المقاومة الفلسطينية في غزة، ويضيفون انه لا توجد اوجه مقارنة بين حزب الله والمقاومة في غزة، سواء في العتاد أو التعداد أو خطوط الامداد، أو حتى التجربة القتالية.

   صحيح ان تعداد وعتاد الجيش الإسرائيلي أكثر من قوات الحزب، لكن أكثر من نصف الجيش الإسرائيلي مشغول بشكل متواصل في غزة، والاقتصاد معطل نظرا لتجنيد كل القوى العاملة في الجيش كاحتياط، بل إن مخزون القنابل والقذائف المدفعية والصواريخ قد نفذ في إسرائيل ويتم تزويدها يوميا عبر الجسر الجوي الاميركي، علما بأن لدى حزب الله صواريخ مضادة للطائرات الحربية ولطائرات الشحن العسكرية… اذا لماذا لم يشارك الحزب في الحرب منذ بدايتها، او في أي مرحلة لاحقة، طالما انه يعلم باليقين انه الهدف القادم اذا هزموا المقاومة الفلسطينية عسكريا في غزة؟

   ربما يكون الحزب بالفعل قد تفاجأ بطوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر، وبالتالي لم يكن بوسعه الانضمام للحرب فورا خلال ساعات أو أيام، والمعروف أن ضياع عنصر المفاجأة هو شأن مهم، خصوصا وان الدعم الدبلوماسي والعسكري الغربي تحرك فورا، إذ اعتبروا الأمر يتعلق بوجود إسرائيل وتخوفوا تحديدا من اشتراك حزب الله في المخطط، أو إمكانية اللحاق بالطوفان وتقليده من الشمال الفلسطيني. كل الدلائل تشير أن الحزب لم يكن يعرف بموعد وتفاصيل عملية طوفان الأقصى، وبالتالي تقرر بسرعة اللحاق بركب النصر الفلسطيني الاولي، وتشكيل رادع يشاغل بعض قوات الجيش الإسرائيلي ثم تحويل الأمر إلى حرب استنزاف مع عدم ضمان ان لا تتحول إلى حرب مفتوحة. في البداية شاغل الحزب قوات العدو في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة بحثا عن تغطية دولية للمناوشات، ثم وبعد توسع الفظائع الإسرائيلية في قطاع غزة تجاوز الحزب المحاذير، وانتقل إلى مناوشات محدودة في الشكل والمساحة، ولكنها مواجهات متوسعة يوميا في الأداء والجغرافيا وأدت إلى تهجير غالبية سكان الجنوب اللبناني.

مع فرضية عدم اطلاع الحزب مسبقا على عملية الطوفان؛ فهذا يعني أيضا أن طهران لم تكن تعلم بالعملية، علما بأن الاتهامات توجهت لطهران، وهي غير معنية أصلا بالصدام العسكري مع إسرائيل أو أمريكا والغرب، بل ربما يكون الموقف الإيراني هو أحد عوامل تردد وردع حزب الله عن خوض المعركة، إلى جانب عدم رغبة الحزب في توريط لبنان. على الرغم من هذه الضوابط وغيرها؛ فالحزب أصبح يدرك أنه سيكون الهدف الصهيوني الغربي التالي بعد الانتهاء من حركة المقاومة الفلسطينية، وحينذاك سيكون الحزب وحيدا في الساحة، ولن تتقدم إيران لحماية الحزب عسكريا بعد أن يكون قد تم خذلان المقاومة الفلسطينية… وحتى لا تتحقق هذه الفرضية؛ فالحزب لا يتهاون في توسيع الاشتباك ردا على الاستفزاز الإسرائيلي واستغلالا لظروف الساحات الإقليمية والدولية الحالية المتجهة للتهدئة، خصوصا مع الاضطراب في الساحة الإسرائيلية وتبلور الدعم الشعبي العالمي مع فلسطين وضد الاحتلال، وكثافة المساعي لوقف القتال الذي ينطبق تلقائيا على الحدود اللبنانية الفلسطينية ويلتزم به حزب الله طوعا.

   من المؤكد أن حزب الله يدرك حتمية الحرب مع إسرائيل، وهو يستعد لها علنا تحت اسم (الحرب الكبرى) التي سيكون هدفها القضاء على الكيان الصهيوني في المنطقة، لكن الفرصة ضاعت الآن مع ضياع عنصر المفاجأة، ومع التردد اللاحق عن إيقاع خسائر بشرية مدنية وبنى تحتية تدفع لرحيل الإسرائيليين عن كل فلسطين وبالتالي زيادة في إفشال الهدف الذي أقيم الكيان من أجله كقاعدة متقدمة للاستعمار الغربي والأميركي تحديدا… لو غامر الحزب في الثامن من أكتوبر وأطلق ما لديه ودفع باللاجئين الفلسطينيين لبلادهم لانتهى الكيان ولما وجدت الأساطيل الغربية التي توجهت لشرق البحر المتوسط ما يمكن إنقاذه، اللهم حمل الهاربين من فلسطين إلى بلادهم الأصلية.

   قيل ويعاد الآن تكرار أن حزب الله يمتلك 150 ألف صاروخ أفضل وأقوى من صواريخ المقاومة الفلسطينية، وقيل إن خمسة آلاف صاروخ من هذه ذات تقنية توجيه دقيقة وقوة تفجيرية هائلة، وان الأهداف مرصودة منذ زمن سواء مطارات مدنية وعسكرية ومحطات كهرباء ومياه وموانيء، بل ومفاعل ديمونة النووي والمصانع… إلخ. وقيل إن قوة الرضوان متدربة على العبور إلى شمال فلسطين، وكل ما كان يعيق الحزب عن الحرب الكبرى هو المزيد من الاستعداد. بل قيل إن المعركة الكبرى كانت محددة في صيف 2024؟! ولذلك عندما استبقت المقاومة الفلسطينية هذا الموعد وأتيحت الفرصة يوم السابع من أكتوبر حدث التردد بدل التوكل على الله… هذا التردد ورغم تطويره لاحقاً إلى استنزاف للعدو؛ فقد يؤدي إلى إبادة المقاومة الفلسطينية، وينتهي بتهميش للقضية الفلسطينية، ومن ثم سوف يتأثر حزب الله وإيران سلبا اذا انهزمت حماس، ومعهم ينتكس كل الإسلام السياسي، وبالتالي يقفز المشروع الصهيوني الأميركي خطوات للأمام.

   استنتاجي: لقد أضاع حزب الله الفرصة للانقاض على الكيان، مما كان سيؤدي على الاقل للعودة الى تطبيق قرار التقسيم 181 الذي قرر ان مناطق الجليل مخصصة للدولة العربية الفلسطينية، وكذلك منطقة ما يعرف الان بغلاف غزة، وفي أفضل الاحوال كان التدخل الشامل سيؤدي الى الهروب الكبير ومن ثم محاولات الغرب ترقيع ما يمكنهم ترقيعه بالدبلوماسية… لكن الله غالب.

عبد الجبار عدوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى