لماذا ستتوقف الحرب قريبا بهزيمة للاستعمار؟

فيسبوك
تويتر
واتساب

   معيار الهزيمة والنصر للمعتدي تعتمد على نتائج الأهداف التي وضعها للحرب، هل حققها كليا أو جزئيا، أو فشل وربما خسر؟ وعندما تختل موازين القوى العسكرية بين الطرفين، أو حتى تنعدم تكون هزيمة القوي تسليحيا مدوية عندما يفشل في تحقيق أهدافه، حتى لو دمر بلاد الخصم وعباده… هذا بالضبط ما فعله الفوهرر الألماني مع الدول الأوروبية الجارة، ولكنه في النهاية انهزم وانتحر ووضع بلاده بعد أن تدمرت تحت التقسيم والاحتلال الأميركي والروسي والفرنسي والإنجليزي حتى الآن.

   الوضع الفلسطيني مختلف في بعض التفاصيل عن أوروبا المحتلة من النازي؛ فالبلاد تقع تحت احتلال استيطاني استعماري عنصري مدعم من الغرب لأسباب وأهداف يطول شرحها، ولبعضها علاقة بالنازي. هذا الاحتلال لفلسطين يواجه مقاومة للحد من توسعه، وفي هذا الإطار جاء طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر 2023 والذي حقق غاياته السياسية منذ الساعات الأولى بشكل لا يمكن ترميمه، إذ انكسرت جرة الردع الاحتلالي وتحولت إلى وهم وسراب نسف كل أسس الكيان، مثل مقولة أنه البلد الأمن لليهود، والدرع الحامي لمصالح الغرب الاستراتيجية والسياسية، واليد الطولى ضد الأنظمة التقدمية، وصاحب أفضل الأسلحة والتكنولوجيا… بل بلغ الغرور بالمحتل الاستيطاني لعرض حمايته لعرب من العرب، ولمسلمين من المسلمين.

   فشلت رؤيته تماما وفشلت معها الأسلحة التي يستعملها ويطورها مع الولايات المتحدة الشريكة للاحتلال في كل شيء… هكذا باشر المحتل بدعم غربي تام في الانتقام الهمجي، ومع كل يوم كان يتعمق في الفشل ويجر معه القيادات الغربية المؤيدة والتي انفصل عنها شارعها مع هول الكارثة التي تمارس في قطاع غزة. يجب هنا القول إنه دون الطوفان كانت قضية فلسطين ستذوب والمحتل سيرتع في المنطقة كسيد للجميع.

   تحرك الناخب الغربي، والأميركي تحديدا، ضد الحرب وطالب بوقفها. وصمدت المقاومة وطورت آليات لا نزال خسائر يومية في القوات الغازية، واثبت المواطن المدني الفلسطيني مواقف أسطورية لم تسجل في تاريخ البشر سابقا، سواء في التحمل للخسائر أو الصمود في الأرض، وبالتالي إفشال مخططات التوسع عبر التهجير، وإتاحة المجال الزمني للمقاومة لضرب القوات الغازية. كان المحتل الاستيطاني ومن يدعمه من الغرب يظنون أن الهمجية العسكرية ستؤدي لرفع الراية البيضاء من المقاومة، أو على الأقل انقلاب المواطنين على مقاومتهم طلبا للسلامة… لكن الشعب الفلسطيني قرر البقاء أو الارتقاء حتى هزيمة المحتل.

   العامل الثاني الذي يتفاعل لهزيمة المحتل هو المساندة من جنوب لبنان وقوى المقاومة في العراق واليمن. في لبنان فتحت جبهة استنزاف متصاعدة عطلت أكثر ثلث جيش الاحتلال منذ اليوم الأول، أدت لتهجير سبعين الف مستوطن من شمال فلسطين الى وسطها، وأوقعت خسائر بشرية بالعشرات ومادية، ولم تتوقف عن الرد على الرد وبتصعيد حتى أخافت واشنطن من انفجار الجبهة، وبالتالي قصف متبادل موجع لتل أبيب وربما اجتياح بشري من لبنان يشارك به اللاجئون الفلسطينيون. وبينما تنصب جهود واشنطن على منع توسع الحرب بهدف الاستفراد بغزة، وتقديم الاغراءات للمقاومة اللبنانية؛ فان هذه ترفض اي حوار او شروط قبل توقف العدوان على غزة.

   العامل الثالث هو المقاومة في العراق والتي قصفت قواعد أميركية في العراق وسوريا وأطلقت صواريخ تجاه فلسطين المحتلة، ويبدو أنها تستعد لاجتياح للقواعد الأميركية وتصفيتهاز بل اعلنت بغداد طلبها التسريع في سحب القوات الاميركية من العراق. واشنطن في عامها الانتخابي الرئاسي في غنى عن هذا التوسع للحرب الذي تتمناه وتنتظره كل من روسيا والصين لأسباب سياسية اقتصادية استراتيجية.

   وبالطبع كانت ضربة اليمن ميمونة خصوصا وأنها ربطت حصار باب المندب بفتح المعابر لغزة لتمرير المساعدات البشرية، أي أن المطلب اليمني يتماشى مع مطالب شعوب الأرض التي تريد وقف الحرب وإغاثة غزة. على الفور ظهر التأثير على الاقتصاد العالمي والذي يتعيش ويتربح منه الغرب… تظاهروا بتكوين قوة لردع اليمن، ولكنهم في النهاية يعرفون فشلهم المسبق؛ فأي حرب ومهما كان ميزان القوى ستعطل المرور الأمن عبر باب المندب وربما مضيق هرمز أيضا… وفي حالة الحرب على اليمن سيتم ضرب كل السفن التي تحاول المرور، وليس فقط السفن المتوجهة إلى ميناء أم الرشراش أو حيفا، وسيتعطل الإمداد النفطي من الخليج عبر مضيق هرمز، وتحل الخسائر مضاعفة على الغرب الاستعماري.

   هكذا ومع الفشل العسكري في تحقيق أهداف المحتل بضرب المقاومة الفلسطينية وأسر قادتها واسترجاع الأسرى الجنود من يوم الطوفان، تولدت الخلافات السياسية الداخلية وتسابق المتطرفون الصهاينة في تجديد وتصعيد الأهداف مثل الإبادة والقنبلة النووية والتهجير عبر التجويع وضرب البنية التحتية المدنية كلها… ذلك بدوره سلخ صفوف المؤيدين من السياسيين في الغرب ولم يصمد طويلا مع المحتل سوى واشنطن التي أصبحت تواجه خطر ضرب مصالحها في المنطقة، وهزيمة أنصارها السياسيين، وتشجيع الثورات ضد الأنظمة المؤيدة لواشنطن في المنطقة… كما أن شبح الفشل الانتخابي الرئاسي هذا العام بدأ يرعب الرئيس الذي باشر بوضع الحدود للعدوان وترويج معارضته للتهجير وضرورة إدخال المساعدات لغزة بوتيرة أعلى وإيصال الدعم لشمال القطاع، ورفض مبدأ احتلال شريط في القطاع وبالطبع المطالبة بحل الدولتين وعدم فصل غزة عن الضفة… وهذه المواقف التي صرح بها وزير الخارجية الأميركي اليهودي الصهيوني في بداية الشهر الرابع للعدوان هي للتضليل على الرأي العام العالمي، وهي بالطبع ضد رؤية قادة دولة الاحتلال، وضد أهدافهم المعلنة، وعمليا هي اعتراف غربي بالهزيمة رغم انهم سيماطلون.

   الانتصار السياسي هو لقوى المقاومة في المنطقة، أي للإسلام السياسي الشيعي، وهذه هزيمة مضاعفة لرؤية واشنطن والزعماء العرب والأنظمة المؤيدة لها، والذين انكمشوا متعامين عما يحل بغزة وأهلها، آملون أن ينتصر الاحتلال ويخلصهم من الإسلام السياسي السني، أو بمعنى آخر تخليصهم من بواقي جماعة الإخوان المسلمين، التي غطت في النوم طوال الهجوم على غزة… أما الضحية الاساس؛ فهي غزة وشعبها الأسطوري الذي عليه استخلاص العبر بسرعة وتقرير مصيره عبر انتخابات يجب أن لا يؤجل تكرارها ابدا في المستقبل، وسيجد هذا الشعب طريقه بسرعة لإعادة البناء للقطاع وللدولة وللإنسان… هذا مؤكد رغم الضباب المخيم.

عبد الجبار عدوان

مواطن من غزة.

(بداية الشهر الرابع للطوفان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى