الذكاء الاصطناعي والغباء البشري ضد غزة.

فيسبوك
تويتر
واتساب

   في العاشر من ديسمبر 2023، أي بعد شهرين على طوفان الاقصى، أقتحم جنود الكيان بناية في الشجاعية بعد ان قصفتها الدبابات، ثم سمعوا أصوات استنجاد بالعبرية تقول نحن مخطوفون انقذونا. بدل التخاطب معهم وانقاذهم ظنت القوات ان هناك فخ ورجال المقاومة يستدرجونهم الى اماكن مفخخة؛ فانسحبوا تحت تأثير معطيات الحرب وكثرة الافخاخ القاتلة. لكن الذي حدث ان القصف قتل الحراس؛ فهرب الاسرى وهاموا في غزة لخمسة ايام حتى عثروا على تمركز لقوات صديقة لهم؛ فعروا صدورهم، ورفعوا اعلام بيضاء، ونادوا بالعبرية انهم مخطوفين هاربين يحتاجون للنجدة!! النتيجة كانت تصفيتهم، وقال تحقيق لجيش الكيان انه اطُلقت عليهم النيران تحسبا ان يكونوا من المقاومة يريدون استدراج الجند؟

   الحدث حقيقي، لكن سبب اطلاق النار عليهم مزيف، ولا ترغب السلطات الاقرار بالحقيقة! من غير المعقول والمنطقي اطلاق اي جندي بشري النار على انسان عار نصفه الاعلى، رافع علم استسلام ابيض، يتحدث بالعبرية شارح هويته؛ فذلك قمة الجنون، خصوصا وان الغزاة يبحثون عن اسراهم ويتمنون أخذ أسرى من الخصوم أو التوصل لأي معلومة من رجال المقاومة؛ فكيف يتركون هذه الفرصة؟ وما الذي حدث؟

   أنظمة الدفاع الخفيفة الرشاشة المحمولة على عربات نقل الجنود مزودة بنظام رصد وتفعيل إلكتروني لإطلاق النار على أي شيء يتحرك في المحيط القريب. عندما يرتاح الجنود، أو يخافون المواجهة، يشغلون النظام ويمكثون مختبئين تحت حمايته. مثل هذه الأسلحة الرشاشة معروفة منذ الستينيات للقرن الماضي، وقد استعملت على جدار برلين لتطلق النار على كل من يقترب ليهرب عبر الجدار من الشرق للغرب. هذا النظام طور واستعمل على السياج الفاصل بين القطاع وغلاف غزة، والذي ارتاح له الجنود حتى يوم السابع من أكتوبر، ولم يحلموا أن بوسع المقاومة الفلسطينية تعطيل الإلكترونيات التي تشغل الأنظمة والأسلحة… ويستعمل أيضا على العربات الناقلة للجنود، وهذا السلاح هو الذي قتل الأسرى الثلاثة حين تقدموا للموقع، وهو على الارجح المسؤول عن قتل عشرات الجنود ب “نيران صديقة”.

   في مقابل هذا الذكاء الاصطناعي المنتشر في الكثير من الأسلحة المستعملة ضد المدنيين في قطاع غزة، هناك الذكاء البشري الفلسطيني سواء في المجال الإلكتروني الحربي أو الفخاخ والحرب الإعلامية والنفسية. نجاح عملية الطوفان واستمرارها لثلاثة أيام أرعبت الكيان وسكانه وأنصاره في الخارج، أعتمد بالأساس على التكنولوجيا. عطلت المقاومة الأجهزة الحساسة والكاميرات والهواتف، واقتحمت السياج بجرافات واستباحت منطقة الغلاف لثلاثة أيام، وذلك بفعل وتأثير هجمة إلكترونية مسبقة.

   في اليوم الثاني من العام 2024 استعملت أجهزة الكيان الاستخبارية طائرة مسيرة اخترقت الأجواء اللبنانية ووصلت إلى الضاحية الجنوبية في بيروت، أي معقل المقاومة اللبنانية ومكان إقامة قادتها، ثم أطلقت صواريخ موجة بدقة إلى مكتب الرجل الثاني في المقاومة الفلسطينية، الشيخ صالح العازوري، ومنها صاروخ إلى سيارته تحسبا لانطلاقه بها. هذا الاختراق نجح حتما بفعل تكنولوجيا مُركبة قديمة ومعروفة تكنولوجيا في توجيه الصواريخ عن بعد لأهداف دقيقة، وتكنولوجيا أخرى عطلت رصد ودفاعات المقاومة اللبنانية. قبل ذلك بسنوات لجأت استخبارات الكيان مرارا وتكرارا لاستعمال الصواريخ الموجهة الدقيقة إلى درجة إدخالها من النافذة وتفجيرها في مكتب أبي على مصطفى قائد الجبهة الشعبية في البيرة، الضفة الغربية عام 2001.

   لقد اتضح أيضا لجوء أجهزة الكيان لرصد الأهداف عبر بصمة الصوت بدعم من الطائرات البريطانية التي تجوب الساحل الفلسطيني، وترصد بصمات أصوات محددة لمعرفة مكان تواجدها… لو كان لدى الأجهزة أي تسجيل سابق لصوت الشخص المراد صيده؛ فالطائرات البريطانية يمكنها التعرف على الصوت فور حديثه عبر هاتف وتحديد موقعه بدقة؛ فيصله الصاروخ.

      وحدة التنصت 8200 في جيش الكيان توصف بأنها “وحدة الإنذار القومي”. ولهذه الوحدة قاعدة عسكرية كبيرة قرب كيبوتس “أوريم” في موقع قريب من قطاع غزة، يسمى “يركون”، ويتم التنصت منها على جهات كثيرة في العالم منذ زمن… تنصتوا مثلا على مكالمة الراحلين عبد الناصر والملك حسين قبل 1967، وعلى مكالمات عرفات في بيروت. لكن الجنود فيها كانوا مؤخرا يركزون التنصت على الفلسطينيين ومحاولة كشف خططهم لاستهداف إسرائيل وجيشها؛ فاذا بهم يدخلون للقاعدة ويأسرون جنودها وضباطها ويحملون معهم الى غزة السجلات والتسجيلات وأخذوا منها مواد استخباراتية وأجهزة بالغة الحساسية. للولايات المتحدة مواقع تنصت في كل قواعدها في المنطقة، ولبريطانيا أكبر موقع تنصت الكتروني في قبرص يغطي الشرق الاوسط ويغربل كل المكالمات مع أوروبا.

   نجاح المقاومة في الافلات من التنصت والرصد وتنفيذ الطوفان بسرية، يعود الى عوامل الحذر ومحدودية عدد الذين كانوا مطلعين على المخطط، وكان العامل الحاسم ان القادة والمسؤولين لم يتخابروا عبر الهواتف المحمولة او الارضية كونها تمر عبر الاجهزة الاسرائيلية المسيطرة على قطاع الاتصالات وتفاصيل معلوماته… لم يعودوا يتواصلون كما العصر الحجري، ولكنهم استعملوا نظام هاتف سلكي خاص في الانفاق وغير متصل مع الخارج او مع شبكات الهواتف؛ فلم تعرف أجهزة الكيان شيئا عن نواياهم.

   في الايام الاولى للطوفان وقبل الغزو البري دمرت الطائرات الاهداف المعروفة المرتبطة بالمقاومة، ثم انتقل التدمير الى البنية التحتية المدنية، ثم تطور جيش الكيان الى تدمير المستشفيات والجوامع والكنائس كنتيجة لفشله في أحراز تقدم ضد المقاومة، مثل قتل أو اسر قادة او مقاتلين، أو طبعا تحرير اسراهم. كانت أجهزة الاستخبارات العمياء قد افترضت أختباء المقاومة في انفاق تحت مؤسسات عامة، ولكنهم لم ينجحوا في أثبات أي من هذه الادعاءات التبريرية. أستمر الفشل فلجأت مؤسسات الكيان لفرز اسماء كل المقاومين المعروفين سواء عبر الجواسيس، أو رصد تقبيض الرواتب شهريا عبر البنوك وأجهزة الصراف التي توفر أيضاً صور من يستعملها، ثم ربطوا ارقام الهواتف بالاسماء وباشروا رصد أماكن الهواتف لكل من كان على علاقة بحكومة حماس واعتبروا كل أصحابها أهدافا للقتل؛ فحدثت المجازر اليومية لمئات الافراد وتهديم البيوت على ساكنيها… وعندما تنبه الشارع الفلسطيني للأمر باشر جيش الكيان القصف العشوائي المكثف الاعمى الانتقامي… انتقام لما حدث لهم من صدمة وخوف، وانتقام لفشلهم في تحقيق أهداف الغزو المعلنة.

   اقنع مجرموا الحرب نظرائهم في واشنطن بأن القنابل المتاحة لديهم لا تخترق الارض بعمق كاف للوصول للانفاق، وطلبوا قنابل الطن متفجرات، وحصلوا عليها عبر الجسر الجوي من شريكهم في الجريمة، والقوها عشوائيا على المدنيين كونها قنابل غبية اصلا غير موجهة. في حروب الكيان السابقة على قطاع غزة كانوا يستعملون الحرب النفسية والاسلحة الذكية التدميرية. كانوا يتصلون بالسكان في المبني المراد قصفه ويبررون هدفهم بوجود عناصر من المقاومة في البناية، ثم يطلبون من السكان الاخلاء خلال خمس دقائق أو ربع ساعة. في الموعد كانوا يطلقون صاروخا خفيفا موجها الى الهدف كأنذار أولي، ثم بعد خمس دقائق يتبعه الصاروخ الكبير فتنهار البناية.

   حينذاك ارادوا عزل الناس عن المقاومة، وبالفعل كانت البنايات الخالية من مستأجرين وسكان يتبعون المقاومة، كانت مفضلة للايجار والسكن. وبفعل الحصار وطبيعة حكم حماس نشأت حساسية واتهامات في المجتمع للحكومة بالفساد والمحسوبية، ولو حدثت انتخابات قبيل السابع من اكتوبر لما فازت حركة حماس… لكن نتيجة القصف والدمار وانعدام التمييز في الاهداف أعاد اللحمة وتوسعت شعبية الحركة في فلسطين وخارجها… وكون الهجوم دخل للشهر الرابع مصحوبا بفشل الكيان من تحقيق اي هدف مُعلن؛ فالهزيمة الاستراتيجية أصبحت من نصيب الكيان، والبلاوي والدمار من نصيب سكان قطاع غزة.

عبد الجبار عدوان (بداية الشهر الرابع للطوفان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
انتقل إلى أعلى